العقيدة - العقيدة الطحاوية -
العقيدة - العقيدة الطحاوية - الدرس (15-20) : المشيئة والاختيار
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1995-06-03
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
من ظنّ بالله ظن السوء ما عرفه :
لا تبتأس للمحن فكلها لحكمة بالغة نجهلها
أيها الأخوة المؤمنون، قبل أن نُنْهِيَ موضوع الإلهِيَّات في كتاب العقيدة الطَّحاوِيَّة، أُريد أنْ أقْرأ لكم فقراتٍ للإمام الجليل ابن القَيِّم حول معرِفَة الله، وحُسْن الظنّ به.
يقول هذا العالم الجليل:
((مَن ظنَّ أنَّ الله سبحانه وتعالى لا ينْصُرُ رُسَلَهُ ولا يُتِمُّ أمْرَهُ، ولا يُؤَيِّدُ جُنْدَهُ، ولا يُعْليهم، ولا يُظْفِرُهم على أعدائِهم، وأنَّهُ لا ينْصُرُ دينهُ، ولا كتابَهُ، وأنَّهُ يُديل الشِّرْك على التَّوحيد، والباطل على الحق إدالَةً مُسْتَحِقَّةً يَضْمَحِلُّ معها التَّوْحيد والحق اضْمِحْلالاً فقد ظنَّ بالله ظنَّ السَّوْء، ونسَبَهُ إلى خِلاف ما يليقُ به وكمالِه وجلاله وصِفاته ونُعوتِه، فإنَّ عِزَّتَهُ وحِكْمَتَهُ تأبى ذلك، ويأبى أن يُذِلَّ حِزْبَهُ وجنْدَهُ، ويأبى أن تكون النُّصْرة المُسْتَقِرَّة، والظَّفْر الدائِمَ لأعْدائِهِ المشركين، فَمَن ظنَّ به ذلك فما عرَفَه، ولا عرف أسْماءَهُ، ولا عرفَ رُبوبِيَّتهُ وأسماءَهُ، وكذلك مَن أنْكَرَ أن يكون قد قدَّر ما قَدَّرَهُ من ذلك لِغَيْر حِكْمَةٍ بالِغَة، وغايَةٍ مَحْمودَة يسْتَحِقُّ الحَمْد عليها، وأنَّ ذلك إنَّما نشأ عن مشيئَةِ مُجَرَّدة عن حكْمةٍ وغايَةٍ مطْلوبة))
فالله تعالى ما يفعله هو عن حِكْمَةٍ بالِغَةٍ بالِغَةٍ، ورحْمَةٍ بالِغَةٍ بالِغَةٍ، وعَدْلٍ بالِغٍ بَالِغٍ.
وأكثر الناس يَظُنُّون بالله غير الحقّ، ظنَّ السَّوْء، فَمَن ظنَّ بالله ذلك فما عرَفَهُ، ولا عرف أسْماءَهُ، وصِفاته، ولا عرف موجِبَ حَمْدِهِ، وحِكْمَته، فَمَن قنَطَ من رحمة الله، ويأسَ من روحِهِ فقد ظنَّ به ظنَّ السَّوْء، ومن جوَّز عليه أن يُعَذِّب أوْلياءَهُ مع إحْسانِهم وإخْلاصِهم، ويُسَوِّي بينهم وبين أعْدائِهِ، فقد ظنَّ به ظنَّ السَّوْء، ومن ظنَّ أنَّ الله جل جلاله يخْلق خلْقَهُ سُدىً مُعَطَّلين من الأمْر والنَّهْي، ولا يُرْسِلُ، ولا يُنْزِلُ عليهم كتبهُ بل يتْرُكهم هَمَلاً كالأنعام فقد ظنَّ به ظنَّ السَّوْء، ومن ظنَّ أنّ الله جلَّ جلاله لن يجْمَعَ عبيده بعد موتِهم للثَّواب، والعِقاب في دارٍ يُجازى فيها المُحْسِنُ بِإحْسانِه، والمسيء بِإساءَتِه، ويُبَيِّن لِخَلْقِهِ حقيقة ما اخْتَلَفوا فيه، ويُظْهِرُ للعالمين كلَّهم صِدْقَهُ وصِدْق رُسلِه، وأنّ أعْداءَهُ كانوا هم الكاذبين؛ فقد ظنَّ به ظنَّ السَّوْء.