dimanche 25 juin 2017

كلام رائع

Example

كلام رائع - ما اجمل أن تكون شخصاً كلما يذكرك ألاخرون يبتسمون. - مارك توين. - لا تحِزن إذا ضاقتَ بِك امُور الحَياة،فالقمر يزداد روَعه كلما زاد حوله الظلام. - في بعض الاحيان أجمل شيء في الحياة يأتي من دون ان نتوقعه أو أن نعمل من أجله فيكون بذلك هبة الحياة. - آنا فرويد. - من لا يتمتع بذاكرة في غاية القوة ، فالافضل له الا يخاطر بالكذب. - ميشيل دي مونتين. - الشباب يتمنون الحب فالمال فالصحة، و لكن سيجيء اليوم الذي يتمنون فيه الصحة فالمال فالحب. – جيرالدي. - قد تنمو الصداقة لتصبح حباً، ولكن الحب لا يتراجع ليصبح صداقة. - بيرون. - أنا أمشي ببطء، ولكن لم يحدث أبدا أنني مشيت خطوة واحدة للوراء. - ابراهام لنكولن. - السعادة تكون في ثلاث: أن تقوم بأمر الله، وأن تقنع بما قسم لك، وأن ترضى بما قضى. - إذا لم يجد الإنسان شيئاً في الحياة يموت من أجله، فإنه أغلب الظن لن يجد شيئاً يعيش من أجله. - تشي جيفارا. - إذا خفضت المرأة صوتها فهي تريد منك شيئا، وإذا رفعت صوتها فهي لم تأخذ هذا الشيء. – أفلاطون. - لا يهمني أن اكون اغنى شخص قدر مايهمني أن اعود للفراش في المساء وانا أشعر انني قمت بشيء رائع. - ستيف جوبز. - لا يمكن لأي إنسان ان يصبح عالماً بمعنى الكلمة، من غير ان يصير قبل ذلك إنساناً بمعنى الكلمة. - نوفالس. - خير الناس من فرج للناس بالخير. - مثل عربي. - الناس الذين يعرفون القليل يتحدثون كثيراً، أما الذين يعرفون الكثير فلا يتحدثون إلا قليلا. - روسو. - كي تنجح في الحياة فأنت تحتاج الى أمرين، التجاهل والثقة. - مارك توين. - تصادق حتى مع الذئاب المهم ان يكون فأسك مستعداً. - مثل روسي. - إذا أردت مصاحبة الفتيات فاذهب الى الجامعة، اما إذا أردت ان تتعلم فاذهب إلى المكتبة. - فرانك زابا. - لا يزال المرء عالما ما دام في طلب العلم ، فاذا ظن أنه قد علم فقد بدأ جهله. - ابن قتيبة. - إن لم تستطع أن تكون نجماً فى السّماء فحاول أن تكون مصباحاً في حياتك. - إليوت. - نحن مجانين اذا لم نستطع أن نفكر ومتعصبون اذا لم نرد أن نفكر وعبيد اذا لم نجرؤ أن نفكر. - افلاطون. - يمكن للعقل أن يحذرنا مما لا ينبغي عمله ، ولكن القلب وحده يعلمنا ما ينبغي القيام به. - جوزيف جوبير. - تمهل عند اختيار الصديق ، وتمهل اكثر عند تغييره. - نابليون. - اللطف هي اللغة التي يتمكن الأصم من سماعها والأعمى من رؤيتها. - مارك تواين. - أكثر الاشياء جمالاً في هذا العالم لا يمكن أن ترى أو تلمس ، فقط يمكننا الشعور بها في قلوبنا. - هيلين كيلر. - لا تهتم بسرعة العمل بل جودته ، لأن الناس لا يسألونك في كم فرغت منه بل ينظرون إلى إتقانه وجودة صنعه. - أفلاطون. - المهارة تصيب هدفاً لا يمكن لأحد أن يصيبه .. أما العبقرية فتصيب هدفاً لا يمكن لأحد أن يراه. -آرثر شوبنهاور. - نعتقد أن حياة الآخرين أفضل من حياتنا والآخرين يعتقدون أن حياتنا أفضل من حياتهم سر المسألة هو فقدان القناعة . - إذا رأيت الرجل يقول فيك من الخير ما ليس فيك، فلا تأمن أن يقول فيك من الشر ما ليس فيك . - محمد بن سيرين. - أنت في الطريق الصحيح طالما أنك تفكر .. سواء حققت ما تريد أم لم تحققه. - هنري فورد. - الرجل المستعجل يبحث عن الباب و يمر من أمامه . - غوته. - إذا لم تستطع التحرر من مخاوفك وشكوكك فلن تكتشف أبدا مدى روعة الحياة بدونها. - كولين ماكارثي. - إن سر التغيير يكمن في تسخير كل طاقتك للتركيز على بناء الجديد بدلاً من مصارعة القديم. – سقراط . - العالم مليء بالطيبين، فإن لم تجد واحداً منهم فكن أنت هذا الواحد. - هناك طريقتين تجعلك أحمقاً، الأولى أن تصدق الشيء الغير صحيح، والأخرى أن ترفض تقبل الشيء الصحيح. - يورين كيركيغارد. - إن كان يتوجب عليك اقناع شخص ما بأنك مناسب له، إذن فهو غير مناسب لك. - لا يمكن لأحد ان يُزيل ألمك لذلك لاتدع اي أحد يسرق سعادتك. - أستطيع أن ألخص كل شيء تعلمته عن الحياة في ثلاث كلمات؛ أن الحياة تستمر. - روبرت فروست. - أجمل الأشياء في الحياة لا يمكن رؤيتها أو لمسها؛ يجب أن تشعر بها في قلبك. - هيلين كيلير. - لا تسمح لثلاثة أشياء أن تتحكم بك: الأشخاص، و المال، و التجارب السابقة....

samedi 24 juin 2017

Comment changer le mot de passe utilisateur Windows?

Comment changer le mot de passe utilisateur Windows

"Vous souhaitez changer le mot de passe de votre utilisateur Windows. Cet article récapitule toutes les méthodes pour changer son mot de passe Windows. Les méthodes sont divisées selon les versions de Windows, en effet, si vous avez un compte utilisateur local, les méthodes sont différentes d’un compte Microsoft. "

Table des matières [masquer] 1 Compte Local VS Compte Microsoft 2 Compte Local 2.1 CTRL+ALT+Suppr 2.2 netplwiz 3 Compte Microsoft 4 Mot de passe perdu 5 Liens autour des comptes utilisateurs Windows

Compte Local VS Compte Microsoft Selon le type de compte, la modification du mot de passe de votre utilisateur Windows est différent. Il faut donc savoir si votre compte utilisateur Windows est de type local ou compte Microsoft. Pour les utilisateurs Windows XP, Windows 7. Votre compte est forcément de type Local. Reportez-vous donc au paragraphe compte Local. Pour les utilisateurs de Windows 8.1 et Windows 10. Ce dernier permet de créer es comptes locaux ou des comptes Microsoft. Un compte local : un utilisateur enregistré dans Windows avec un nom d’utilisateur et mot de passe. Ces informations sont enregistrées dans Windows, il est donc tout à fait possible de modifier le mot de passe en cas de perte. Compte Microsoft : il s’agit d’un compte internet géré par Microsoft, c’est un compte distant internet. On distingue deux méthodes de connexion. Sur Windows, l’utilisateur avec un compte Microsoft se présente avec une adresse email. Le plus simple pour savoir si vous avec un compte local ou Microsoft. Sur votre clavier, appuyez sur la touche Windows + R Saisissez netwpliz et OK. Ainsi ci-dessous : Démo set un compte local puisque le nom n’est pas une adresse email spamhere-@wanadoo.fr est un compte Microsoft puisque le nom est une adresse email. Compte Local CTRL+ALT+Suppr Connectez-vous avec l’utilisateur Windows Sur votre clavier, appuyez sur CTRL+ALT+Suppr Choisissez Modifier le mot de passe Saisissez le nouveau mot de passe.netplwiz Sur votre clavier, appuyez sur la touche Windows + R Saisissez netwpliz et OK. Sélectionnez dans la liste l’utilisateur Windows Cliquez en bas sur Réinitialiser le mot de passe Saisissez deux fois le nouveau mot de passe.Compte Microsoft Pour changer de mot de passe, vous devez vous connecter depuis votre compte Microsoft. Vous pouvez utiliser directement ce lien : https://account.microsoft.com/account ou encore, ouvrez les paramètres de Windows 10 > Comptes Cliquez sur Gérer mon compte Microsoft. .........

وأنه خاتم الأنبياء

العقيدة - العقيدة الطحاوية - الدرس (19-20) : وأنه خاتم الأنبياء لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1995-07-01 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. القرآن هو الأصل : أيها الأخوة المؤمنون، وصَلْنا في العقيدة إلى قَول المؤلِّف: "وأنَّهُ خاتم الأنبياء"، قال تعالى: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ﴾ [سورة الأحزاب: 40] في العنوان: وأنَّهُ خاتِمُ، وفي الآية: وخاتَم، فالقرآن هو الأصل، ومن يحْفظ القرآن الكريم فكأنَّ مُعْجَماً معه، وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ كَرَجُلٍ بَنَى دَارًا فَأَكْمَلَهَا وَأَحْسَنَهَا إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ فَجَعَلَ النَّاسُ يَدْخُلُونَهَا وَيَتَعَجَّبُونَ وَيَقُولُونَ لَوْلَا مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ)) [متفق عليه عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] كأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم جعل دَعْوة الأنبياء جميعاً كالبُنْيان، ودَعْوَتَهُ صلى الله عليه وسلَّم تمَّمَتْ هذا البُنيان، فأصْبَحَ تامًّاً مُكَمَّلاً، وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [سورة المائدة: 3] الفرق بين الحبّ و الشرك : ولا يَخْفى عليكم أنَّ الإكْمال عددِيّ ونَوْعي، وأنَّ أحداً مهما علا مقامُهُ فلا يسْتطيع أن يبْتَدِع، وما عليه إلا أن يتَّبِع، وحَسْبُنا قَول سيِّدنا الصِدِّيق رضي الله عنه في أوَّل خطبة: "إنَّما أنا مُتَّبِع ولسْتُ مُبتدعاً"، بالمناسبة فيما أعْتقِد أنه ليس مِن رجل أحبَّ رجُلاً كَحُبِّ سيِّدنا الصِّديق لِرَسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وهذا الكمّ من الحبّ لم يُضْعِف سيِّدنا الصِّديق: ((أَمَّا بَعْدُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ إِلَى الشَّاكِرِينَ وَاللَّهِ لَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهَا حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَتَلَقَّاهَا مِنْهُ النَّاسُ فَمَا يُسْمَعُ بَشَرٌ إِلَّا يَتْلُوهَا)) [متفق عليه عن عائشة] فقد يتعَلَّق الإنسان أحْيانًا بِمُرْشِدٍ، أو شَيْخٍ يَعْبُدُه من دون الله، وهو لا يدري، حُبٌّ قليل قد يؤدِّي إلى الشِّرْك، وحبّ عظيم مِن أبي بكر ما نقلَهُ إلى الشرْك؛ قال: ((فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ )) [متفق عليه عن عائشة] أرأيْتُم هذا الفرق الرائع بين الحب وبين الشِّرْك، فقد كان مُوَحِّداً، وكان مُحِبًّاً، فهناك من تجدُ فيه غِلْظة؛ يقول لك: لا فَضْل لأحَدٍ عليّ؛ فهذا الكلام فيه قَسْوة لِقَول النبي عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ لَا يَشْكُرُ اللَّهَ)) [الترمذي وأبو داود عن أبي هريرة] وقال تعالى: ﴿ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾ [سورة لقمان: 14] وهناك حُبّ يؤدِّي إلى الشِّرْك، لكنَّ الصِّديق رضي الله عنه جَمَعَ بين التَّوْحيد في أعلى درجاتِه، وبين الحبّ في أعلى درجاتِهِ، فقد قال صلى الله عليه وسلمَّ: ((إِنَّ لِي أَسْمَاءً أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَنَا أَحْمَدُ وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِيَ الْكُفْرَ وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي وَأَنَا الْعَاقِبُ)) [البخاري عن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ رَضِي اللَّه عَنْهما ] فقد ذكر النبي بَعْضاً من أسمائِه. كلام رسول الله أفصَحُ كلامٍ على الإطلاق بعد كلام الله تعالى : وفي صحيح مسلم أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: ((... وَإِنَّهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي كَذَّابُونَ ثَلَاثُونَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَلَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ قَالَ ابْنُ عِيسَى ظَاهِرِينَ ثُمَّ اتَّفَقَا لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ)) [أبو داود عَنْ ثَوْبَانَ ] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ)) [الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ] لذا أفصَحُ كلامٍ على الإطلاق بعد كلام الله تعالى كلام رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، ونحن لم نطَّلِع على دِقَّة نظْم النبي في كلامه، وهناك كُتب قليلة جداً تتحدَّث عن بلاغة النبي عليه الصلاة والسلام، ودِقَّة نظْمِهِ، وَرَوْعة كلامه، فهذا الموضوع دُرِسَ قليلاً، وكُتَّابٌ قِلَّة وقَفوا عند البيان لا عند فَحْواه، بل عند سرّ نظْمه وصياغته. هل من أحَدٍ يُعْطيني شاهداً نبوياً فيه بلاغة النبي عليه الصلاة والسلام مِمَّا تَحْفظون؟ التوازن اللَّفظي يُعْطي طابِعاً موسيقيًّاً ؛ قال تعالى: ﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴾ [سورة الغاشية: 17] فهذه الظاهرة موجود في بلاغة النبي عليه الصلاة والسلام. كُنَّا في الجامعة، فسأل عميد الكليَّة إحْدى الطالبات، فلم تُجِب فقسَا عليها؛ فقالتْ له: ألم يقل النبي الكريم: (( يَا أَنْجَشَةُ وَيْحَكَ ارْفُقْ بِالْقَوَارِيرِ)) [رواه الشيخان عن أنس وأحمد واللفظ له] لكنَّهُ أجابها إجابَةً أقْسى فقال هذا العميد: قال: "ارْفُقْ بِالْقَوَارِير"ِ، ولم يقل ارفق بالبراميل! فسَحَقَها، إلا أنَّه لابد أن يكون الرِّفْق في التعليم، وأن يكون رفيقًا بالطلبة، وبالمناسبة فالقوارير تُسْتَعْمل للعِطْر فقط. بلاغة النبي عليه الصلاة والسلام : ظاهرة أخرى في بلاغة النبي عليه الصلاة والسلام، وهي الطباق، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا)) [مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ] وكالخير والشر والصالح والطالح. وكذا السجع في قوله صلى الله عليه وسلم: ((أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ)) [متفق عليه من حديث طويل عن البراء ] كقوله تعالى: ﴿ والعصر *إن الإنسان لفي خسر ﴾ [سورة العصر: 1-2] عصْر وخسر. وقوله صلى الله عليه وسلم: ((أنا أفصح العرب بيْد أنِّي من قريش)) [الطبراني عن أبي سعيد الخدري ] فهذا أُسلوب تأكيد المدْح بِما يُشْبِهُ الذمّ. وقوله صلى الله عليه وسلم: ((فإذا امرأة تُنازعني تريد أن تدخل الجنَّة قبلي)) [من تخريج أحاديث الإحياء عن السيدة عائشة ] [ الأدب المفرد للبخاري ] هذه صورة وَصْفِيَّة، أتمَنَّى عليكم أن تقرؤوا بعْضاً من أبْحاث البلاغة، عندئذٍ كلّ شيءٍ تقرؤُونه في كتاب الله وسنَّة رسول الله سترون له بُعْداً بلاغِيًّاً كبيراً، وهو يُعَلِّمُكم الأسلوب البلاغي. الحِوار والمثَل والقصَّة والتَّقْرير والتَّعَجّب مِن أساليب النبي الكريم : مِن أساليب النبي عليه الصلاة والسلام: الحِوارُ، والمثَل، والقصَّة، والتَّقْرير، والتَّعَجّب، فالواحد إذا قرأ الحديث الشريف؛ مِن رَوْعَة القِراءَة أن تضَع يدك عند الموطِن الجماليّ فيه، ثمَّ هذا يُعَلِّمُك أنواع الأساليب وتعددها، لأنَّكَ بِحاجة إلى أُسلوب في الكلام، وكلام النبي عليه الصلاة والسلام موجَز وواضِح، وكلامُهُ يَعُدُّه العادّ، فالذي يُلْقي الكلام سريعاً فقد خالَفَ بلاغَةَ النبي، وهو يقول عليه الصلاة والسلام: ((نضَّر الله وَجْه مَن أوْجَزَ في كلامه واقْتَصر في حاجتِه)) [من تخريج أحاديث الإحياء عن ابن عباس ] وقوله صلى الله عليه وسلم: ((بعثْتُ بِمُداراة الناس)) [البيهقي عن جابر،والمشهور على الألسنة أمرت بالمداراة‏] رَوْعة الحديث بالباء! باء الاسْتعانة، أي أنَّني أسْتَعين على هِدايتِهم بِمُداراتِهم، أما لو قال: بعثْتُ لِمُدارات الناس أصْبَحت المُداراة هدفًا، وشتَّان بين أن تكون المُداراة هدَفًا، وبين أن تكون وسيلةً؛ وهذا فرق كبير كبير، فعند أهل الدنيا المُداراة هدف ووسيلة ومُجاملة، لكنَّ النبي يقول: ((بعثْتُ بِمُداراة الناس)) [البيهقي عن جابر،والمشهور على الألسنة أمرت بالمداراة‏] وكذلك النبي عليه الصلاة والسلام نُصِرَ بالرُّعْب، لكنَّه حينما ترَكَت أُمَّتَهُ سُنَّتَهُ هُزِمَت بالرُّعْب. أصلُ المساجد لِتَعْليم العلْم ونَشْر الهُدى أما الصلاة فأيُّ مكان لك أن تُصَلِيَ فيه : وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ وَأُحِلَّتْ لِي الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً)) [ متفق عليه عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏] ذَكَرْت في الخطبة نقطة دقيقة جداً ؛ وهي: إذا ظَنَنْنَا أنَّ المساجد من أجل الصلاة! فأيُّ مكانٍ في الأرض يصْلح أن يكون مسْجِداً، لكنَّ المساجد من أن أجل أن يجتمع الناس فيها يتْلون كتاب الله، ويتدارَسونه، عندئذٍ تتنزَّل عليهم السكينة، وتتغشَّاهم الرَحْمة، وتَحُفُّهم الملائكة، ويذكرهم الله فيمَن عنده، فأصلُ المساجد لِتَعْليم العلْم، ونَشْر الهُدى، أما الصلاة فأيُّ مكان لك أن تُصَلِيَ فيه. وقال عليه الصلاة والسلام: ((وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً)) [ متفق عليه عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏] ولو قال: بُعِثْتُ إلى كافَّة الخلق، أيُّهما أقرب إلى الصِحَّة؟ كافَّةً لا تأتي إلاّ حالاً، فلا نستطيع أن نقول: بلاغٌ إلى كافَّة المواطنين !! بل نقول: بلاغ إلى المواطنين كافَّةً، وهذا خطأٌ شائعٌ جدًّاً. حَجْمُ مهمَّة النبي كَقُدْوَة أكبر بكَثير مِن حَجْمهِ كَمبلِّغ : وقال عليه الصلاة والسلام: ((وخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّون)) [مسلم عَنْ أبي هريرة ‏] وقوله: وإمام الأتْقِياء؛ الإمام الذي يُؤْتَمُّ به؛ أي يَقْتَدون به، وهناك فرق بين إمام وأمام؛ وهل هناك علاقة بين الإمام والأمام؟ فالإمام يجب أن يكون أمام المُؤْتَمِّين وليس في الصلاة فقط، الإمامة مقامٌ كبير، قال تعالى: ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴾ [سورة البقرة: 124] أي لن تكون إماماً لهم إلا إذا كنت أمامَهُم في كل شيء؛ مُتَفَوِّقٌ عليهم، وتَسْبِقُهم إلى كلّ فضيلة، وتُطَبِّقُ كلّ ما تقوله، فأنت ينبغي أن تكون أمامهم حتَّى تكون إمامهم، فما بين الكلمَتَين مِن علاقة؟ بين الكلمتين جِناسٌ ناقِص، هل يوجد بِكِتاب الله تعالى جِناس؟ قال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ ﴾ [سورة الروم: 55] المرء تحت طيِّ لِسانِه لا تحت طَيْلَسانِه! إذا مَلِكٌ لم يكن ذا هِبَة فَدَعْهُ فَدَوْلَتُهُ ذاهِبَة *** وكم من ملِكٍ رُفِعَت له علامات، فلما علاَ ماتَ. كل هذا مِن الجناس. الإمام الذي يُؤْتَمُّ به أي يَقْتَدون به، والنبي صلى الله عليه وسلَّم إنَّما بُعِثَ للاقْتِداء به، لِقَول الله تعالى: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [سورة آل عمران] لذلك كما تعلمون، وكما ذَكَرْتُ هذا مِراراً: حَجْمُ مُهِمَّةِ النبي كَقُدْوَةٍ أكبر بِكَثير مِن حَجْمِهِ كَمُبَلِّغ، إذْ التَّبْليغ سَهْل، لكنَّهم يتمايَزون فيما إذا كانوا قُدْوَةً أم لا! النبي الكريم صَفْوَةُ الله مِن خلْقِهِ : وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ)) [أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ] فالنبي في هذا الحديث الصحيح يُبَيِّن لنا أنَّهُ سيِّدُ الخلق وحبيب الحقّ، فهو عليه الصلاة والسلام لا يفْتَخِرُ ولكن يُبَيِّنُ. وفي أوَّل حديث الشَّفاعة: ((أَنَاْ سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ اْلقِيَامَةِ)) [البخاري عَنْ أبي هريرة ] وروى مسلم والترمذي عَنْ أَبِي عَمَّارٍ شَدَّادٍ أَنَّهُ سَمِعَ وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَعِيلَ وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ)) [مسلم عَنْ أَبِي عَمَّارٍ شَدَّادٍ ] فهو صَفْوَةُ الله مِن خلْقِهِ. فإن قيل: يُشْكِلُ على هذا قوله صلى الله عليه وسلَّم: لا تُفضِّلوني على موسى، فالسؤال: كيف نَجْمع بين نهْي النبي على أن نُفَضّل وبين أنَّهُ فضَّل نفْسَهُ؟ والجواب أنَّ هذا كان له سبب، فإنَّ هذا كان مِن جرَّاء شكوى يهوديّ على مسْلِمٍ إذْ لطَمَه، فقال النبي هذا الحديث؛ لأنَّ التَّفْضيل هنا إذا كان على وَجْه الحَمِيَّة، والعَصَبِيَّة، وهوى النَّفْس، كان مَذْموماً، أما إن كان على وَجْه التَّوْضيح والتَّبْيين ولا فَخْر كان مَحْموداً فالافْتِخار شيء، والبيان شيء آخر. وكذلك الجهاد، فإذا قاتل الإنسان حَمِيَّةً وعَصَبِيَّةً كان مذْموماً، فإنَّ الله تعالى حرَّم الفَخْر وقال: ﴿ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ﴾ [سورة الإسراء: 55] وقال تعالى: ﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ ﴾ [سورة البقرة: 253] فَعُلِمَ أنّ المذموم إنَّما هو التَّفْضيل على وجْه الفَخْر. الإنسان حينما يمْدح نفْسه يصْغُر وينكمِش فالأولى أن يدع الناس يتحدثون عنه : بالمناسبة؛ النبي عليه الصلاة والسلام مَعْصوم، ويوحَى إليه، ومعه مُعْجِزات، ولعلَّ الله أمَرَهُ أن يُبَيِّن أنَّهُ أفْضَلُ الناس، أما غير النبي فالأولى ألاّ يُبَيِّن، والأولى أن يدَعَ الناس يتكلَّمون عنه، ولا أن يقول هو عن نفْسِه، فهذا مِمَّا يُضَعِّفُ مكانته، والناس لهم أعْيُن ويعْرِفون، ومن ظنَّ الغباء في الناس فَهُوَ أغْباهم، لذلك لي كلمة مَشْهورة وهي: امْسِك كأساً من ماء، وصُبَّهُ في منْحَدَر، ثمّ قل له: اصْعَد! أو قل له: انْزِل، فهذا كلام لا معنى له، فليس هناك فائِدَة في أن تقول له: اِصْعد أو اِنْزل !! فمعنى كلامي: أنت عليك أن تتجه نحو الأكمل، ثمَّ اسْكُت، فكمالك سَيُنْبِئُ عن مكانتِكَ، لأنَّك لو أرَدْتَ أن تلفت نظر الناس إلى مكانتك ضعُفَت! قالوا: رقصت الفضيلة تيهاً بِفَضْلِها فانْكَشَفَت عَوْرَتُها! فالإنسان حينما يمْدح نفْسه يصْغُر وينكمِش، فالأوْلى أن تُغْفِلَ نَفْسَك، وأن تَدَعهم يتحدَّثون عنك؛ وهذا اسْمُه في عِلْم النَّفْس اسْتِجْلاء المديح؛ وهو مَوْقف ضعيف، وقلتُ اليوم في درْس: إنَّ النَّفْس بها أمراض كثيرة، وهي في الحقيقة أعراض لِمَرضٍ واحِد؛ فهذه الأمراض مِن نِفاق، وخَوف، وقلق، وضَعْف، ووَجَل، هي أعراض لِمَرض واحِد، هو ضَعْفُ التَّوْحيد، لذلك أنت شُجاع بِقَدَر تَوْحيدك، ومخلص بِقَدَر تَوْحيدك، ومطمئِنّ بِقَدَر تَوْحيدك، ومِقْدام بِقَدَر تَوْحيدك، وجريء بِقَدَر تَوْحيدك، وقد أجاب بعضهم بِجَوابٍ آخر، وهو أنّ قَوْلَهُ صلى الله عليه وسلَّم: لا تُفضِّلوني على موسى، وقوله لا تُفَضِّلوا بين الأنبياء؛ نَهْيٌ عن التَّفْضيل الخاص، أي لا تُفَضَّلُ بعض الرُّسل على بعْض بِعَيْنِهِ بِخِلاف قوله: أنا سيّد ولد آدم، فأنت لك أن تقول: هذا الطالب أفضل الطلاب عندي؛ هذا تَفْضيل عامّ، أما أن تقول: هذا الطالب أفضل من هذا أصبَحَ هناك حزازات بينهم، فالتَّفضيل العام مَقْبول، أما الخاص فهو غير ذلك، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: أنا سيِّدُ ولَدِ آدَم، ولا فخْر فهذا تفْضيلٌ عام، ولا يمْتَنِعُ منه، كما لو قيل: فلان أفضل أهل البلد بِخلاف لو قيل: فلان أفضل منك! عدم التَّفْضيل بين الأنبياء : وأما ما يُرْوى أنَّ النبي صلى الله عليه وسلَّم قال: لا تُفَضِّلوني على يونس، وأنَّ بعض الشيوخ قال: لا يُفسِّر هذا الحديث حتى يُعْطَى مالاً جزيلاً، فلمَّا أعْطَوْهُ فسِّرَهُ أنّ قُرْبَ يونس من الله، وهو في بطْن الحوت كَقُرْبي من الله ليلة المِعْراج، ويُعَدُّ هذا تفْسيراً عظيماً! وهذا يدلّ على جهْلِهم بِكَلام الله، ورسوله لفْظًا ومعْنى، فإنَّ هذا الحديث بِهذا اللَّفْظ لم يَرْوِهِ أحدٌ من أهل الكتب، وإنَّما اللَّفظ في الصحيح عَن ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى)) [متفق عليه عَن ابْنِ عَبَّاسٍ] فسيِّدُنا يونس أَبَقَ إلى الفلك المشحون، وخرج مُغاضِباً فظنَّ أن لن نقْدر عليه، ودخل في بطن الحوت، ونادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك، فنجَّاه الله، فإذا بِمُؤمِنٍ ساذج يأتي، ويقول: أنا لسْتُ كَيُونس!! هذا الحال كَحال أستاذ جامِعيّ نَسِيَ الهمزة، والطالب لم ينْسَها، فإذا بالطالب يقول: أنا أفضل من الأستاذ!! بينك وبينه كما بين الأرض والسماء، وإذا كان الله تعالى ذكر بعض الأنبياء بخلاف الأولى فلا ينبغي لأحَدِ المؤمنين أن يتوهَّم أنَّهُ أفضل من هذا النبي في هذا الموضوع، كما أنَّهُ لا ينبغي لِمَن هو في الحضانة أن يقول: أنا أفضل مِن هذا الدكتور! لذلك: ((لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى)) [متفق عليه عَن ابْنِ عَبَّاسٍ] أي لا ينبغي لأحَدٍ أن يُفَضِّل نفْسه على يونس بن متَّى، ليس فيه نهي المسلمين أن يُفَضِّلوا مُحَمَّداً على يونس، وذلك لأنَّ الله تعالى قد أخْبر عنه أنَّهُ الْتَقَمَهُ الحوت، وهو مُليم، أي فاعِلٌ ما يُلام عليه، وقال تعالى: ﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [سورة الأنبياء: 87] فقد وقع في نفس بعض الناس أنه أكْمل من يونس، ومن ظنَّ هذا فقد كذَبَ، بل كلّ عَبْدٍ من عباد الله يقول ما قال يونس: أن لا إله إلا أنت سبحانك إنِّي كنت من الظالمين، كما قال أوَّل الأنبياء وآخرهم، فقد قال آدم: ﴿ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [سورة الأعراف: 23] وأفضلهم وآخرهم قال في حديث الاسْتِفْتاح: اللهم أنت الملِك لا إله إلا أنت، أنت ربِّي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعْتَرَفْتُ بذنبي، فاغفر لي فإنَّه لا يغفر لي إلا أنت، وكذا قال موسى عليه السلام. من يتوهم أن النبي يفعل خِلاف الأوْلى فَلِحِكْمةٍ بالغَةٍ أرادها الله : أتمنَّى عليكم مرَّةً ثانية أنَّ الله تعالى إذا ذكر على الأنبياء وقائِع، أو صِفات، فاعلموا أنَّها خِلاف الأولى، يجب أن تَعُدَّ هذا الكلام بعيداً عن أن يكون مذَمَّةٌ للنبي أو نَقْصٌ فيه، لأنّ الله عصَمَهم، فهذه قال عنها العلماء: خِلاف الأولى، وقالوا كلاماً طويلاً مُلَخَّصُه: أنَّ ما يفْعَلُهُ الأنبياء لِحِكْمةٍ بالغة بالغة، فمثلاً: لما صلَّى النبي عليه الصلاة والسلام ركْعَتَين فرْضَ الظهر قالوا له: أنَسيتَ أم قَصُرَت الصَّلاة؟ فقال: كل هذا لم يكن، فقال ذو اليدَين: بعضه قد كان، فلمَّا سأل النبي أصْحابه عرف أنَّهُ صلَّى ركْعَتَين، فقال: إنَّما نُسِّيتُ كي أسُنَّ! فهو صلى الله عليه وسلَّم نَسِيَ لِحِكْمَةٍ أرادها الله، ولما اخْتار مكانًا غير مناسب في بدْر، أليْس من الممكن أن يأتِيَهُ الوحي أو يجْتهِدَ اجْتِهاداً غير صحيح؟ فهو صلى الله عليه وسلَّم وقفَ المَوْقِفَ الكامل في إصْغائِهِ للنَّصيحة، ولأمَّتِهِ مِن بعدِه، ولا سيَّما العلماء والأُمراء، فإذا توَهَّمْنا أنّ النبي فعل خِلاف الأوْلى فَلِحِكْمةٍ بالغَةٍ بالِغَة أرادها الله، ثمَّ يجب أن نعلم أنَّ مقام الألوهِيَّة شيء ومقام النُبوَّة شيء آخر، فالنبي بشر والإله إله، فهذه التي ذَكَرها الله عز وجل بِخِلاف الأولى هي عَيْنُ الكمال. موضوع عدم التَّفْضيل بين الأنبياء أصْبَحَ واضِحاً وينْسَحِبُ عليه عدمُ الخَوْض فيما كان بين الصَّحابة، فإيَّاكم كَدُعاة أن تخوضوا فيما كان بين الصَّحابة لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلَّم يقول: ((إذا ذُكِرَ أصْحابي فأمْسِكوا)) [الطبراني في الكبير عن ابن مسعود] فَكُلّ نقاط الضَّعْف بين الصّحابة ينبغي أن نجْتنِبَها، وأن نشْتغل بما ينفعُنا، ونترك الخِلاف بينهم إلى الله عز وجل، لأنَّنا جميعاً أقلّ مِن أن نَحْكُم عليهم، فهم عُلماء حُكماء كادوا من فِقْهِهِم أن يكونوا أنبياء، كما وصَفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. والحمد لله رب العالمين

النبوات

العقيدة - العقيدة الطحاوية - الدرس (18-20) : النبوات لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1995-06-24 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. العَبْدُ الذي يُحْسِن لا يُخْزيه الله أبَداً : أيها الأخوة المؤمنون، وصَلْنا في الدرس الماضي إلى باب النُّبُوَّات، وهو قَوْل الإمام الطَّحاوي رحمه الله تعالى عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: "وأنَّ محمَّداً عبدُهُ المُصْطفى، ونبِيُّه المُجْتبى، ورسولُهُ المُرْتَضى". ونحن الآن مع أدَقِّ دليل من أدِلَّةِ الفطرة؛ لما كانت خديجة رضي الله عنها تَعْلَمُ من النبي أنَّهُ الصادِق البار، قال لها لما جاءه الوَحْي: إنَّي قد خشيت على نفْسي، فقالتْ: كلاَّ، فهل نزل القرآن حينما طَمْأنَتْ هذه السيِّدة الجليلة النبي عليه الصلاة والسلام؟فمِن أيِّ شيءٍ انْطَلَقَتْ؟ مِنْ عِلْمٍِ تعلَّمَتْهُ؟‍! لا، مِن وَحْيٍ قرأتْهُ؟ لا، قالتْ: كلاَّ، والله لا يخزيك الله أبَداً، إنَّك تصل الرَّحِم، وتصْدُق الحديث، وتحْمل الكلّ، وتَقْري الضَّيْف، وتكسب المعدوم، وتُعينُ على نوائب الحق، ما معنى هذا الرَّبْط؟ لم يأتِ الوَحْيُ بعْدُ، ولم تأتِ السنَّة بعْدُ، ولم تأتِ التَّفْصيلات بَعْدُ؛ قالتْ: كلاَّ، والله لا يخزيك الله أبَداً. للكَوْن إلهٌ عظيم، فالعَبْدُ الذي يُحْسِن لا يُخْزيه الله أبَداً؛ هذه هي الفطْرة، فأنا أقول لكم يا شباب: إذا كان الواحد منكم مستقيماً ووقَّافًا عند حُدود الله، ويعرف الحلال والحرام، ولا يَعْصي الله أبَداً؛ وهذا وَعْدُ الله عز وجل فلن يخزيه الله أبداً، لفتَ نظري هذه الكلمة؛ فَهِيَ رضي الله عنها لم تتلقَّ العِلْم بعْدُ، ولم تستمِع إلى أيَّةِ آيَةٍ من كتاب الله، ولا من سنَّة رسول الله، إلا أنّ فِطْرَتَها ألْقَت في رُوعِها أنّ هذا الإنسان الذي يَصِل الرَّحِم، ويصْدُق الحديث، ويحْمل الكلّ، ويَقْري الضَّيْف، ويكسب المعدوم، ويُعينُ على نوائب الحق؛ لا يُخْزيهِ الإله الذي في السماء أبَداً، وهذا الكلام سارٍ مفعولُه إلى الأبَد، وفي كُلِّ عصْر، وفي كلّ زمان، وإقليم، وفي كل قرية، ومدينة، وحيٍّ، وفي ِأيّ مجتمع، ومن الشمال إلى الجنوب، ومن عهْد آدم إلى يوم القيامة إذا كنتَ مُحْسِنًا ومُتواضِعاً فلا يُخْزيك الله أبَداً، وانْظُر إلى التاريخ فقد بيَّن ما فعَلَ الله بالأنبياء والمؤمنين، وبيَّن ما فعَلَ بأعدائه المُلْحِدين، ألمْ يُخْزِهِم الله عز وجل؟ ويجعلهم في الحَضيض؟ ما وَضْعُ البِلاد التي رفَعَت شِعار: لا إله !!هي في الوَحْل؛ الجريمة والقَتْل والمافْيا والمُخَدِّرات التي انتشرت وتفشَّتْ في الشَّعْب الذي أنْكر الله عز وجل. من كان مع الله كان بعين الله التي ترعاه : أنا أتمنَّى عليكم أيها الأخوة، ألاّ تقرؤوا الدِّين على أساس أنَّهُ تاريخ، اقْرؤوا الدِّين على أنَّهُ حقائق نعيشُها جميعاً، وأنت بِأصْعَب ظرف ومجْتمع؛ فإذا كُنْتَ تُعينُ على نوائب الحق، وتُكْسِبُ المَعدوم، وتَقْري الضَّيْف، وتَصْدُق الحديث، وتَصِلُ الرَّحِم؛ والله لا يُخْزيك الله أبَداً، وكلّ آيَةٍ نزلت على النبي عليه الصلاة والسلام لك نصيبٌ منها، إذا قال الله عز وجل للنبي عليه الصلاة والسلام: ﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾ [ سورة الطور :48 ] وأنت إذا كنت مع الله فإنَّك بِعَين الله تعالى التي تَرْعاك، اِفْهَم الدِّين فهْماً صحيحاً، على أنَّهُ قوانين، وأوامر إلهية، لا على أنَّهُ تاريخ، الفَهْم التاريخي سَقيم، وموضوعه أخذ عِلْم، والتزود بمعلومات. إذًا السيِّدة خديجة انْطَلَقَتْ من الفِطْرة، والفِطْرة لا تحْتاج إلى تَوْجيه، ولا إلى تَعْليم، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَثَلِ الْبَهِيمَةِ تُنْتَجُ الْبَهِيمَةَ هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ)) [متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] والفِطْرة تقول: إنَّ لهَذا الكَوْن إلهاً، والمُحسِن لا يُظْلَم، ولن يُخْزيه الله عز وجل؛ هذا الكلام لابدّ أن يَدْفَعَكم إلى مزيد من طاعة الله، إلى مزيد من الإنْصاف، وإلى الإحْسان، والتَّمَسُّك بِقَواعِد الشَّرْع؛ مِن أجل أن يكون لك نصيبٌ من هذا الكلام. ماذا قال النَّجاشي؟! لمَّا اسْتَخْبرَهُم عن النبي صلى الله عليه وسلَّم، واسْتَقْرَأهم القرآن، فقَرَؤوا عليه، قَالَ النَّجَاشِيُّ: ((إِنَّ هَذَا وَاللَّهِ وَالَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى لَيَخْرُجُ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ )) [أخرجه أحمد عن أم سلمة من حديث طويل] فالنَّجاشي شَعَر بالحق، وأنَّهُ لا يتَعَدَّدُ. الحق لا يتَعَدَّد أما الباطل فَيَتَعَدَّد : ذَكَرْتُ البارِحَة في دَرْس الجمعة أنَّ الله عز وجل وصَفَ طريق الحق بِأنَّهُ مُفْرَد، قال تعالى: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [ سورة الأنعام:153 ] الحق لا يتَعَدَّد أما الباطل فَيَتَعَدَّد، ومعنى ذلك إذا كنتَ على حق يجب أن تلْتقي مع المُخْلِصين؛ يجبُ! وإن لم تلْتَق مع المُخْلِصين فأنت لسْتَ منهم، يجب أن تتعاوَنَ معهم، وأن تُنْصِفَهم لا أن تُنْكِرَ عليهم، وأن تعْرِفَ قَدْرَهُم لا أن تُنافِسَهم، إن لم تَكُن هناك مصالِحُ تلْفِتُ اهْتِمامك وإذا أرَدْتَ الله ورسوله والدار الآخرة يجب أن تكون مع المُخْلِصين، وأن تَدْعَمَهم، وأن تعْتَرِفَ بِفَضْلِهم، وأن تكون واحِداً منهم، لا أن تسْتَعْلي عليهم، وتعُدَّ نَفْسَك وحيداً فريداً. ثم إنّ ورَقَة بن نَوْفل لمَّا أُخْبِرَ بما رآهُ النبي صلى الله عليه وسلَّم، وكان ورَقَةُ قد تنَصَّر، وكان يكْتُب الإنْجيل بالعَرَبِيَّة، قالَتْ له خديجة: أيْ ابن عَمِّي، اِسْمَع من ابن أخيك ما يقول: فأخْبرَهُ النبي صلى الله عليه وسلَّم بِما رأى فقال: هذا هو الناموس الذي كان يأتي موسى. من أعظم علامات الصِّدق أن الإيمان إذا خالط القلوب لا يفارقه أحد : كذلك هَرَقْل، ولِهِرَقْلَ قِصَّةٌ مُمْتِعَةٌ جدًّاً؛ مَلِكُ الرُّوم، فالنبي صلى الله عليه وسلَّم كتب إليه كتَاباً يدْعوه إلى الإسلام فطَلَبَ مَن هناك من العرب يومئذٍ، وكان أبو سُفْيان قد قَدِمَ بِطائِفَةٍ من قريش في تِجارَةٍ إلى الشام، وسألهم عن أحوال النبي، فسأل أبا سُفْيان، وأمرَ الباقين إن كَذَب أن يُكَذِّبوه، فصاروا بِسُكوتِهم مُوافقين له بالإخْبار، ونصُّ الحديث كما في البخاري أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ: (( أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ في رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَكَانُوا تِجَارًا بِالشَّأْمِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيلِيَاءَ فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ فَقَالَ أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ فَقُلْتُ أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا فَقَالَ أَدْنُوهُ مِنِّي وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ فَوَاللَّهِ لَوْلَا الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قَالَ كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ قُلْتُ هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ قَالَ فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ قُلْتُ لَا قَالَ فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ قُلْتُ لَا قَالَ فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ فَقُلْتُ بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ قَالَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ قُلْتُ بَلْ يَزِيدُونَ قَالَ فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ قُلْتُ لَا قَالَ فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ قُلْتُ لَا قَالَ فَهَلْ يَغْدِرُ قُلْتُ لَا وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا قَالَ وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ قَالَ فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ قُلْتُ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ قَالَ مَاذَا يَأْمُرُكُمْ قُلْتُ يَقُولُ اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ فَقَالَ لِلتَّرْجُمَانِ قُلْ لَهُ سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا الْقَوْلَ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا فَقُلْتُ لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ لَقُلْتُ رَجُلٌ يَأْتَسِي بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا قُلْتُ فَلَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ قُلْتُ رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمِ اتَّبَعُوهُ وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ وَسَأَلْتُكَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ وَكَذَلِكَ أَمْرُ الْإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ وَسَأَلْتُكَ بِمَا يَأْمُرُكُمْ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي بَعَثَ بِهِ دِحْيَةُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقْلَ فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ أَسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ وَ ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) قَالَ أَبُو سُفْيَانَ فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ وَارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ وَأُخْرِجْنَا فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الْأَصْفَرِ فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ)) [البخاري عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ] فالإيمان إذا خالط بشاشة القلوب لا يفارقه أحد، وهذا من أعظم علامات الصِّدق والحق، فإنَّ الباطل لا بدّ أن ينْكشف في آخر الأمر؛ مهما كُنْتَ ذَكِيًّاً ودَجَّالاً؛ أنت تستطيع أن توهِمَ الناس إلى حين، أما أن توهِمَهم إلى أمدٍ طويل فهذا مُسْتحيل، وهذا مثل فرنسي؛ تستطيع أن توهِمَ الناس لِبَعْض الوقت، وتستطيع أن تخْدع بعض الناس لِكُلّ الوقت! أما أن تستطيع أن تخْدع كلّ الناس لكل الوقت فهذا مستحيل. َسُنَّةُ الله في خلقِه أن يبْتليهم بالسراء والضراء : َسُنَّةُ الله في خلقِه أن يبْتليهم بالسراء والضراء، وينالوا درجة الشكر والصبر كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلَّم قال: ((عَجِبْتُ لِلْمُؤْمِنِ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَقْضِ قَضَاءً إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ )) [أحمد عَنْ ثَعْلَبَةَ ] بِرَبِّكم هل في السنَّة حديث يُثْلِجُ الصَّدْر كهذا الحديث؟ سواء أطْعمه أم أجاعه، رفعه أم خفضه، رزقه أولاداً أم لم يرْزقه، حَجَر عنه المال أم لم يحْجُرْهُ، أكان في صِحَّة أم في مرضٍ؛ كلّ هذا كما قال عليه الصلاة والسلام؛ والذي نفسي بيده لا يقضي الله قضاء إلا كان خيراً له. كنتُ والله لما أرى أخاً ألَمَّت به مُصيبة أقول له: والله لو كُشَفَ لك الغِطاء لَذُبْتَ كالشَّمْعَةِ حُبًّاً لله، والله تعالى غَنِيٌّ عن تَعْذيب عِبادِهِ، والدليل: ﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً ﴾ [ سورة النساء: 147 ] فَهُوَ تعالى إن ساق العذاب أو الشِدَّة فَهُوَ لِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ بالِغَة، بِمَعنى أنَّ ما وقَع لو لم يَقَع لكان الله مَلوماً، ولكان هذا نَقْصاً في حِكْمة الله، ولِهذا من قواعِد الإيمان: لِكُلّ شيءٍ حقيقة، وما بلغ العبد حقيقة الإيمان حتَّى يعلم أنَّ ما أصابه لم يكن لِيُخطئه، وما أخْطأهُ لم يكن لِيُصيبَهُ، ولا تقُل: لو أنَّني فَعَلْتُ كذا وكذا، ولكن قُلْ: قدَّرَ الله وما شاء فَعَل، فإنَّ كلمة لو تفْتح عمل الشيطان، وعِزَّتي وجلالي لا أقْبض عبْدِي المؤمن، وأنا أُحِبُّ أن أرْحَمه إلا ابْتَلَيْتُه بِكُلِّ سيِّئَةٍ كان عملها سُقْماً في جسَدِه، أو إقْتاراً في رِزْقِه، أو مُصيبَةً في مالِهِ أو ولَدِه، حتَّى أبْلُغَ منه مثل الذَّرّ، فإذا بقي عليه شيء شَدَّدْتُ عليهِ سَكَرات الموت حتَّى يلْقاني كَيَوْمَ ولَدَتْهُ أُمُّه، فَكُلُّ شيء وقع أراده الله، وكل ما أراده الله وقع، وإرادة الله متعَلِّقة بالحكمة المطلقة، وحِكْمَتُهُ المطلقة متعَلِّقة بالخير المطلق؛ هذه هي عَقيدتنا، والمؤمن مستسلم، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((عَجِبْتُ لِلْمُؤْمِنِ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَقْضِ قَضَاءً إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ )) [أحمد عن ثعلبة] هذا كلام الذي لا ينطق عن الهوى، والذي أمركَ الله أن تأخذ منه، وهو كلام رسول الله المَعْصوم. أكبر مَعْصِيَة عند الله أن يسْتنْكِف الإنسان عن طاعة الله كِبْراً : يوم أُحُد، يومها لم يُفْلِحِ المسلمون بِفَوْزٍ حاسِم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [ سورة آل عمران: 139] وقال تعالى: ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾ [ سورة العنكبوت: 2 ] قال هرقل: (( وَسَأَلْتُكَ بِمَ يَأْمُرُكُمْ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ)) ؛ هذا كلام العُقلاء، فقد ملَكَ النَّبي صلى الله عليه وسلَّم موضِع قَدَميه! ونحن في دمشق الشام، وقد كانت هذه المدينة له. وكان المُخاطب أبا سفيان، وهو حينئِذٍ كافر، مِن أشَدِّ الناس بُغْضاً للنبي عليه الصلاة والسلام. مِن الذين أهْدَرَ النبي دَمَهم؛ لمَّا فتَحَ النبي مكَّةَ فرَّ بعضهم إلى جدَّة لِيَرْكَبَ البحر إلى الحبشة، فهو قد ذَهَب إلى الروم، فرأى هرقْلُ يمْدح النبي عليه الصلاة والسلام حينها: ((قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ وَارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ وَأُخْرِجْنَا فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الْأَصْفَرِ فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ)) فأبو سفيان أيْقَنَ أنَّ هذا نبِيُّ الله تعالى وسَيَنْتَصِر، لذلك أيها الأخوة أكبر مَعْصِيَة عند الله أن تسْتنْكِف عن طاعة الله كِبْراً! المغلوب لِشَهْوة تَوْبَتُهُ سريعة، والله يُعينه على الطاعة، قال ابن عطاء الله السكندري: "ربّ معْصِيَةٍ أوْرَثَت ذُلاًّ وانْكِساراً خيرٌ مِن طاعَةٍ أوْرَثتْ عِزًّاً واسْتِكْباراً!" فداءُ الكِبر والتَكَبِّر هذا خطير جداً، ودواؤُهُ عسير، فألْفُ مَعْصِيَة عن شهْوة أهْوَن من معْصِيَةٍ عن كِبَر!! وهذه بعض الأدِلَّة الفرعِيَّة على نُبُوَّة النبي صلى الله عليه وسلَّم؛ قال: وبِالجُمْلة فالعِلْم بأنَّهُ كان هناك في الأرض من يقول: إنَّهُ رسول الله، وأنَّ أقْواماً اتَّبَعوه وأقْواماً خالفُوه، وأنَّ الله نصَرَ الرُّسل والمؤمنين، وجعل العاقبة لهم، وعاقَبَ أعْداءهم؛ هو مَن أظْهَر العلوم المتواترة وأجْلاها. المؤمن الصادِق لا تَضْعُفُ هِمَّتُهُ أبَداً : أنت الآن في القرن الخامس عشر الهجري، وقاومه أبو لهب وصفوان وأبو جهل، وكل كفار مكة، فمَن الذي نصَرهُ الله وأعَزَّهُ ورفعَهُ الله؟ ولِمَن كانت العاقبة؟ وبالمناسبة الدَّعْوَة الإسلامِيَّة مرَّتْ باخْتِناقات رهيبة جدًّاً، وأحَدُ هذه الاخْتناقات بالخَنْدق ‍! الإسلام في الخندق قَضِيَّةُ ساعات ويُستَأصل الإسلام عن آخره، حتَّى إنَّ بعضهم قال: أيَعِدُنا صاحبكم أن تُفتَحَ علينا بلاد قيْصَر وكِسْرى، وأحَدُنا لا يأمْنُ أن يَقْضِيَ حاجَتَهُ!! إلا أنَّ الشيء العجيب، وقد ذَكَرْتُ هذا في خُطْبَةٌ سابقَة، وكان دمُه مَهْدوراً، ومُلاحقاً، ومئة ناقَةٍ لِمَن يأتي به حيًّاً أو ميِّتاً؛ ويقول لِسُراقَة: "كيف بك يا سُراقَة إذا لَبِسْتَ سِوارَي كِسْرى ؟!" كلام خطير جداً؛ معنى ذلك أنَّه عليه الصلاة والسلام كان واثِقاً من النَّصْر، وأنَّهُ سيَصِلُ إلى المدينة سالِماً، وسَيُنشئ فيها مُجْتَمَعاً إسلامِيًّاً، وكان له فيها جَيْش وكيان، وسَيُحارِبُ أصْحابُهُ مِن بعْدِه أكبر دَوْلَتَيْن في العالَم؛ وسَيَنْتَصِرون عليهما، ويأتون بِتاجِ كسرى وسِواريْه إلى المدينة مع الغنائم، كذلك الأنبياء واثِقون مِن نَصْر الله، والمؤمن الصادِق لا تَضْعُفُ هِمَّتُهُ أبَداً، وأنَّ هذا الدِّين دينُ الله، وأنَّ الله تعالى ناصِرُه ولو اجْتَمَعَت قِوى الأرض كلها على إطْفائِهِ، فالهَجْمات المتواصلة على الإسلام جعلت الحِيادي ينظر إلى الدِّين ومستقبله، والآن عشرات الناس يدخلون إلى الإسلام. ونحن اليوم إذا علمنا بالتواتر من أحوال الأنبياء، وأوليائِهم، وأعدائِهم، علِمْنَا يقينًا أنَّهم كانوا صادِقين على الحق من وُجوهٍ مُتَعَدِّدَة؛ منها أنَّهم أخْبروا الأُمَم بِما سيكون من انْتِصارِهم، وخِذْلان أعدائهم، وبقاء العاقبة للمتقين. فإذا أمكنَنَا أنْ نضَعَ خطًّاً بيانِياً للدَّعْوَة، لوَجَدْنا أنَّهُ في الطائف وصل هذا الخط إلى الحضيض؛ تَكْذيب، واسْتِهزاء، وإيذاء، فَمَكَّةُ خذَلَتْهُ، وأخْرَجَتْهُ، وبَقِيَ الأمل في الطائف، فبالَغ أولئك بالإساءة إليه، فحينما عاد إلى مكَّة سألهُ سيِّدُنا زَيْد بن حارِثَة: كيف تعود إلى مكَّة وقد أخْرَجوك؟ فقال عليه الصلاة والسلام: إنَّ الله ناصِرُ نَبِيِّه ! يعلمُ أنَّه رسول الله ونبِيُّه، وأنَّ الله تعالى لا يتخلَّى عنه، ولذا المؤمن ثقتهُ بالله تعالى كبيرة، وكُلَّما ضَعُفَت هذه الثِّقَة كانت مُؤَشِّراً على ضَعْف إيمانه بالله. النبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى : والاعتقاد أنَّ ما جاؤوا به مِن المصلحة، والرَّحمة، والهُدى، والخير، ودلالة الخلق على ما ينفعهم، ومَنْعِ ما يَضُرُّهم، ما يُبَيِّنُ أنَّهُ لا يصْدر إلا عن راحمٍ، برٍّ، يقْصِدُ غاية الخير، والمنْفَعَةِ للخلق. فالجاهل لا يمكن أن يقول كلاماً يمْضي عليه ألف وخمسمئة عام دون أن يُظْهِرَ العِلْم فسادهُ، والنبي عليه الصلاة والسلام قبل ألف وخمسمئة عام نهى مَن كان في بلدٍ موْبوء أن يخرج منها، نهى عن الدخول إليها؛ هذا واضِح ! أما عن الدخول فليس لها تَفْسير إطلاقًا، فهي واضحة النتائج، فهناك مَن يحْمل المرض، وهو ليس مريضاً، فإذا انتَقَل إلى إنسان آخر أَمْرَضَهُ، وهو سليم ! لذلك نهى النبي أن ندْخُل بلْدَةً فيها طاعون وأن نخرج منها، وهذا من دلالة نُبوَّتِه. والآن بعدما حفروا أرضَ حَضْرَموت وجدوا رِمَالاً تُغَطِّي حضارَةً بِأكْملِهَا؛ فهناك مُدن، وبساتين، وقنوات ريّ، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ الْمَالُ وَيَفِيضَ حَتَّى يَخْرُجَ الرَّجُلُ بِزَكَاةِ مَالِهِ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهَا مِنْهُ وَحَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا)) [مسلم عن أبي هريرة] فمن الذي أنْبأهُ أنَّها كانت مُروجاً، وأنهاراً، وأنَّها سَتَعُود، معنى ذلك أنَّ الذي يُنَقِّلُ خُطوط المطر في السماء وهو الله تعالى هو الذي أخْبرَهُ، مدينة الشام كانت كلُّها بساتين، وتدْمُر كانت عاصِمَةً خضْراء، وخُطوط المطر تنتقل، كما أنَّ نَجْم القطب كان قبل آلاف السِّنين نَجْماً آخر؛ هو النَّسْر الواقع ! لأنَّ مِحْوَر الأرض المائل يدور حول نفْسِهِ، ويرْسُم مَخْروطًا، أما الآن فهو نَجْمُ القطب، وبعد حين سَيَعُود النَّسر الواقع نَجْم الشمال، ومع هذا التَّبدل تتبدَّل خطوط المطر، ولذلك بلادٌ كانت مُخْصِبَةً خضْراء أصْبَحَت قاحِلَة، وبلادٌ كانت قاحِلَة أصْبَحَت مُخْصِبَة ! وهذا ما يُفَسِّر بِمِئات السِّنين ومواقع المطر والخُصوبة في الأرض؛ قال عليه الصلاة والسلام: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ الْمَالُ وَيَفِيضَ حَتَّى يَخْرُجَ الرَّجُلُ بِزَكَاةِ مَالِهِ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهَا مِنْهُ وَحَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا)) [مسلم عن أبي هريرة] فمَن الذي أعلم النبي عليه الصلاة والسلام أنَّ الخروف إذا ذَبَحْتَهُ، وقَطَعْتَ رأسَهُ ينقطِعُ التَّنْبيه الاسْتثنائي للقلب في النَّبْض، لأنّ القلب يتلقَّى أمر النَّبْض من ذاته من مركز كهربائي، لكنَّه يتلقى أمراً اسْتِثنائِيًّاً عن طريق الدِّماغ بالنَّبْض مئة وثمانين نَبْضة، وتكون مُهِمَّة القلب بعد الذَّبْح إخراج الدم كلَّه؛ هذا شيء مُستحيل. وقال عن الحبَّة السوداء: ((عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ فَإِنَّ فِيهَا شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ)) [ابن ماجه عن عبد الله بن عمر ] أمَعْقولٌ هذا ؟! عُقِدَ مؤتمر بِمِصْر لِدِراسة فوائِد الحبَّة السوداء، فَوَجدوا أَنَّها تُقَوِّي جِهاز المناعة، وإذا قَوِيَ جهاز المناعة كان الشِّفاء من كلّ الأمراض. يجب أن تعْتَقِدَ كما قال سيِّدُنا سَعْد بن أبي وقَّاص: "ثلاثة أنا فيهِنَّ رجل وفيما سوى ذلك فأنا واحِدٌ من الناس ! ما صَلَّيْتُ صلاةً فَشُغِلَت نفسي بغيرها حتى أقْضِيَها، ولا سِرْتُ في جنازَةٍ فَحَدَّثْتُ نفسي بِغَير ما تقول حتَّى أنْصَرِفَ منها، ولا سَمِعْتُ حديثًا من رسول الله إلا عَلِمْتُ أنَّهُ من الله تعالى حقًّاً". لا يكون العِلْمُ عِلْماً إلا إذا وافق الدِّين : المؤمن الصادِق ولو رأى الحديث يُخالِفُ قواعِدَ العِلْم، فلا بدّ أن يأتي يومٌ يَكْتَشِفُ العِلْمُ أنَّ هذا الحديث هو الصحيح؛ حدَّثني دُكتور في الشَّريعة، له صديق طبيب؛ هذا الطبيب مِن أربعين عاماً في كُليَّة الطبّ يَدْعو طُلابَّهُ إلى أن يشربوا الماء مع الطعام، بينما الغرب يُحَذِّرون من شرْب الماء مع الطَّعام، مُنْطَلِقًا مِن أنَّ هذا الماء يُمَدِّدُ العُصارة الهاضِمَة، فإذا تَمَدَّدَت ضَعُفَتْ فاعِلِيَّة الهضْم؛ قبل عامَيْن فقط اِكْتُشِفَ أنَّ الماء مع الطَّعام يُعينُ على الهَضْم، ويَحُثُّ الغُدد على الإفراز، وفي الحديث عَنْ مِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: ((مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ؛ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ)) [الترمذي عَنْ مِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ] فَكُلَّما تَقَدَّم العلم اقْترَبَ من حقائق الدِّين؛ لذلك أكبر خطأ يقع فيه الإنسان أنه لا ينتظر من الدِّين أن يُوافق العلم، فهذا ضعيف، بل من العِلْم أن يُوافق الدِّين، فلا يكون العِلْمُ عِلْماً إلا إذا وافق الدِّين. الديمومة للدين الإسلامي العظيم لأن الكذب و الافتراء لابد من أن يكشفه الله عز وجل : عندنا دليل لطيف جدًّاً؛ وهو أنَّهُ إذا كان النبي صلى الله عليه وسلَّم عند هؤلاء ليس بِنَبِيٍّ صادِق، بل هو ملِكٌ ظالِم، فقد تهيَّأ له أن يفْتَرِيَ على الله، ويتقَوَّلَ عليه، ويسْتَمِرَّ حتَّى يُحَلِّل، ويُحَرِّم، ويَفْرِضَ الفرائض، ويشْرع الشرائِع، وينْسَخَ المِلَل، ويضْرب الرِّقاب، ويقتل أتْباع الرُّسل، وهم أهْل الحق عندهم، ويسْبي نِساءهم، ويَغْنَمُ أموالهم، وذراريهم، ودِيارهم، ويتِمُّ له ذلك حتَّى يفْتَحَ الأرض، وينْسِبُ ذلك إلى أمر الله له، ويدَّعي مَحَبَّتُهُ له، والرب تعالى يُشاهِدُه، وهو يفْعل بأهل الحق، وهو مُسْتَمِرٌّ في الافْتِراء عليه ثلاثةً وعشرين عاماً، وهو مع ذلك كُلِّهِ يُؤَيِّدُهُ، وينْصرُهُ، ويُعْلي أمْرَهُ، ويُمَكِّنُ له مِن أسباب النَّصْر الخارِجَة عن عادة البشر، وأبْلغُ من ذلك أنَّهُ يُجيبُ دَعَواتِهِ ويُهْلِكُ أعْداءَهُ، ويرفَعُ له ذِكْره، هذا وهو عندهم في غاية الكذب، والافْتِراء، والظلم، فإنَّهُ لا أظْلَمَ مِمَّن كذب على الله، وأبطل شرائِعَ أنْبِيائِهِ وبدَّلها، وقتل أولِياءَهُ، واْسَتَمَرَّتْ نُصرتهم دائِماً عليهم، والله تعالى يُقِرُّهُ على ذلك. أي إن لم يَكُن نِبِيًّاً جاء بهذه الرِّسالة على دَعْواهم ملِكٌ ظالم وعَبْقري، وافْتراها من عنده، وحَرَّم وحلَّل، وفرض ودعا، واسْتجاب الله له، وأهْلَك أعداءهُ، معنى ذلك أنَّ الله تعالى هو الذي أضَلَّ عبادهُ، أيُعْقَلُ هذا ؟ قال تعالى: ﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ*لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ*فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ﴾ [سورة الحاقة: 44-47] ولا ريب أنَّ الله تعالى رفَعَ له ذِكْرهُ، وأجاب له دَعْوَتَهُ، والشَّهادة بالنُّبُوَّة على رؤوس الأشْهاد في سائر البلاد، ونحن لا نُنْكِرُ أنَّ كثيراً من الكذَّابين قام في الوُجود، وظَهَرَت له شَوْكَةٌ، ولكن لم يتِمَّ أمرهُ، ولم تَطُلْ مُدَّتُه، بل سلَّطَ الله عليه رسله وأتباعهم، فقَطَعوا دابِرَهُ، واسْتأصَلوه، فمثلاً أين هو هولاكو؟ وأين تيمور لنك ؟ هؤلاء الطُّغاة الذين ادَّعوا النُبُوَّة أين هم؟ وأين هي دَعْوَتُهم؟ الباطل له جَوْلَة، لكِنَّهُ يضْمَحِلّ، أين القرامطة؟ بل أين كلّ هؤلاء الذين كادوا للدِّين؟ فَعَلوا ما فعلوا، وارْتَفَع ذِكْرُهم، وتسلَّطوا، إلا أنَّ الدَّيْمومة أخيراً لِهذا الدِّين. الحق لا يُحْتَكَر لأنَّه حاجة أساسيَّة لكُلِّ البشر : الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ ﴾ [سورة الطور: 30] والآية الثانية وهي قوله تعالى: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ [سورة الشورى: 24] أخْبَرَ سبحانه أنَّهُ من نفى عنه الإرسال والكلام لم يُقَدِّرْهُ حق قدْرِهِ؛ وهذه نقطة مُهِمَّة جداً، فأنت إذا نَفَيْتَ عن الله عز وجل إنْزال الكتب، وإرْسال الأنبياء، فأنت نَفَيْتَ عنه الكمال ‍! ونَفَيْتَ عنه رحْمَتُهُ بِخَلْقِهِ ! وأنّه ترك الخَلْق مُعَطَّلين عن الأمر والنَّهْي، لذلك هناك حقيقة اسْمعوها أيها الأخوة؛ هذا الحق كالهواء للإنسان، ولا يُمْكِنُ لِبَلَدٍ أن يحْتكِرَهُ، ولا لِعَصْر أو أُمَّة أو مِصْرٍ، ولا لِجَماعة أو شَخْص فالحق لا يُحْتَكَر لأنَّه حاجة أساسيَّة لكُلِّ البشر. أيْنَما ذَهَبْتَ هناك أهل الحقّ، وهناك دُعاة، والله عز وجل وزَّعَهم في العالم تَوْزيعاً حكيماً، فَكُلّ بلدٍ لها دُعاتُها الصادِقون، أمَّا أن تعْتَقِد أنّ الحق في بَلَدٍ واحِد، فهذه سذاجة ما بعْدَها سذاجَة! إرْسال الرسل من أعظمِ نِعَم الله تعالى على خلْقِهِ : آخر شيء، ذَكَروا فُروقًا بين النبي والرسول؛ أحْسَنُها أنَّ من نبَّأهُ الله تعالى بِخَبَر السَّماء، فإنْ أمرَهُ أن يُبَلِّغَ غيْرَهُ فَهُوَ نبِيٌّ رسول، وإن لم يأمره أن يبَلِّغ غيره فَهُوَ نبِيٌّ وليس بِرَسول، فالرسول أخَصُّ من النبي؛ فَكُلّ رسول نبِيّ، وليس كل نبي رسولاً، ولكنَّ الرِّسالة أعَمُّ من جِهَة نفسِها، فالنُّبُوَّةُ جزءٌ من الرِّسالة، إذِ الرِّسالة تتناول النبوَّة وغيرها، فالرِّسالة أعَمُّ من جِهَة نفسِها، وأخَصُّ من جهة أهلها، فالرِّسالة تشْمل الشُّعوب كلَّها؛ فالرسول بُعِث للناس كافَّة، أما سيِّدُنا يوسف فقد كان نبِيًّاً أنْبأهُ الله تعالى بِخَبر السماء. وإرْسال الرسل من أعظمِ نِعَم الله تعالى على خلْقِهِ، وخُصوصاً محمَّداً صلى الله عليه وسلّم، كما قال تعالى: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [سورة آل عمران: 164] وفي الدرس القادم إن شاء الله ننتقل إلى قول صاحب العقيدة الطَّحاوِيَّة: "وأنَّهُ خاتَمُ الأنبياء". والحمد لله رب العالمين

العقيدة - العقيدة الطحاوية -

العقيدة - العقيدة الطحاوية - الدرس (15-20) : المشيئة والاختيار لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1995-06-03 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.

من ظنّ بالله ظن السوء ما عرفه : لا تبتأس للمحن فكلها لحكمة بالغة نجهلها أيها الأخوة المؤمنون، قبل أن نُنْهِيَ موضوع الإلهِيَّات في كتاب العقيدة الطَّحاوِيَّة، أُريد أنْ أقْرأ لكم فقراتٍ للإمام الجليل ابن القَيِّم حول معرِفَة الله، وحُسْن الظنّ به. يقول هذا العالم الجليل: ((مَن ظنَّ أنَّ الله سبحانه وتعالى لا ينْصُرُ رُسَلَهُ ولا يُتِمُّ أمْرَهُ، ولا يُؤَيِّدُ جُنْدَهُ، ولا يُعْليهم، ولا يُظْفِرُهم على أعدائِهم، وأنَّهُ لا ينْصُرُ دينهُ، ولا كتابَهُ، وأنَّهُ يُديل الشِّرْك على التَّوحيد، والباطل على الحق إدالَةً مُسْتَحِقَّةً يَضْمَحِلُّ معها التَّوْحيد والحق اضْمِحْلالاً فقد ظنَّ بالله ظنَّ السَّوْء، ونسَبَهُ إلى خِلاف ما يليقُ به وكمالِه وجلاله وصِفاته ونُعوتِه، فإنَّ عِزَّتَهُ وحِكْمَتَهُ تأبى ذلك، ويأبى أن يُذِلَّ حِزْبَهُ وجنْدَهُ، ويأبى أن تكون النُّصْرة المُسْتَقِرَّة، والظَّفْر الدائِمَ لأعْدائِهِ المشركين، فَمَن ظنَّ به ذلك فما عرَفَه، ولا عرف أسْماءَهُ، ولا عرفَ رُبوبِيَّتهُ وأسماءَهُ، وكذلك مَن أنْكَرَ أن يكون قد قدَّر ما قَدَّرَهُ من ذلك لِغَيْر حِكْمَةٍ بالِغَة، وغايَةٍ مَحْمودَة يسْتَحِقُّ الحَمْد عليها، وأنَّ ذلك إنَّما نشأ عن مشيئَةِ مُجَرَّدة عن حكْمةٍ وغايَةٍ مطْلوبة)) فالله تعالى ما يفعله هو عن حِكْمَةٍ بالِغَةٍ بالِغَةٍ، ورحْمَةٍ بالِغَةٍ بالِغَةٍ، وعَدْلٍ بالِغٍ بَالِغٍ. وأكثر الناس يَظُنُّون بالله غير الحقّ، ظنَّ السَّوْء، فَمَن ظنَّ بالله ذلك فما عرَفَهُ، ولا عرف أسْماءَهُ، وصِفاته، ولا عرف موجِبَ حَمْدِهِ، وحِكْمَته، فَمَن قنَطَ من رحمة الله، ويأسَ من روحِهِ فقد ظنَّ به ظنَّ السَّوْء، ومن جوَّز عليه أن يُعَذِّب أوْلياءَهُ مع إحْسانِهم وإخْلاصِهم، ويُسَوِّي بينهم وبين أعْدائِهِ، فقد ظنَّ به ظنَّ السَّوْء، ومن ظنَّ أنَّ الله جل جلاله يخْلق خلْقَهُ سُدىً مُعَطَّلين من الأمْر والنَّهْي، ولا يُرْسِلُ، ولا يُنْزِلُ عليهم كتبهُ بل يتْرُكهم هَمَلاً كالأنعام فقد ظنَّ به ظنَّ السَّوْء، ومن ظنَّ أنّ الله جلَّ جلاله لن يجْمَعَ عبيده بعد موتِهم للثَّواب، والعِقاب في دارٍ يُجازى فيها المُحْسِنُ بِإحْسانِه، والمسيء بِإساءَتِه، ويُبَيِّن لِخَلْقِهِ حقيقة ما اخْتَلَفوا فيه، ويُظْهِرُ للعالمين كلَّهم صِدْقَهُ وصِدْق رُسلِه، وأنّ أعْداءَهُ كانوا هم الكاذبين؛ فقد ظنَّ به ظنَّ السَّوْء.

علينا أن نتفكر في مخلوقاته سبحانه لا أن نتفكر فيه فنهلك :1995-06-03

من ظنَّ أنَّ الله تعالى يُضَيِّعُ على عبْده عملهُ الصالِح الذي عَمِلَهُ خالِصاً لِوَجْههِ الكريم على امْتِثال أمْرِهِ، ويُبْطِلُهُ عليهم بلا سبب من العَبْد، وأنَّهُ يُعاقِبُه بما لا صنيع له؛ لأنَّهُ قدَّر عليه ذلك قبل أن يُخْلَق، ولا اخْتِيار له، ولا قُدرة، ولا إرادة في حُصوله، بل يُعاقِبُه على فعْلِهِ هو سبحانه، أو ظنَّ أنَّهُ يُجَوِّزُ عليه أن يُؤَيِّد أعداءه الكاذبين عليه بالمعجِزات التي يُؤَيِّدُ بها أنبياءه ورسله، ويُجْريها على أيْديهم يُذِلُّون بها عباده، الآن دَقِّقوا، ومن ظنَّ أنَّهُ يَحْسُنُ منه كل شيء حتى تعذيب من أفْنى عمره في طاعته؛ فَيُخَلِّدُهُ في الجحيم أسْفَل سافِلين، ويُنَعِّمُ من اسْتَنْفَذَ عمره في عداوته وعداوة رسلهِ وأنبيائِه فيَرْفَعُهُ إلى أعلى عِلِيِّين، فهذا الإله العظيم يضع مَن أمْضى كلّ حياتِه، وكلّ عمره في طاعة الله، وخدْمة عباده، والإيمان برُسُلِه، والدَّعوة إليه، ومع ذلك يَضَعُهُ في جهَنَّم أسفل سافلين،، ويُنَعِّمُ من اسْتَنْفَذَ عمره في عداوته وعداوة رسلهِ وأنبيائِه فيَرْفَعُهُ إلى أعلى عِلِيِّين!! كل شيء يَصْدُر عنه يَحْسُن، وكِلا الأمْرَين؛ أن يَضَعَ أولْياءه في النار، وأعْداءَهُ في الجنَّة، في الحُسْنِ سواء عنده، ولا يُعْرفُ امْتِناع أحدهما ووُقوع الآخر إلا بالخَبَر الصادِق؛ أي لو ثبت بالخبر الصادِق وَضع المؤمنين في جهنَّم، والمذنِبين في الجنَّة كان هذا الكلام صحيحاً، وإلا فالعَقْل لا يقضي بِقُبْح أحدهما، وحُسْن الآخر، فالعقل ليس مقْياساً صحيحاً، ومَن ظنَّ به أنَّهُ أخبَر عن نفْسِهِ وصِفاتِه بِما ظاهرهُ باطل، وتشْبيهاً وتمْثيلاً،، وترك الحق لم يُخْبِر به، فأصبح المعنى أنَّ الله تعالى يُضَلِّلُ عباده!! لكنَّ الله تعالى كلامُهُ الصِّدْق، وإذا قال لك: أنت مُخَيَّر يعني أنَّكَ مُخَيَّر، فلا تُحاوِل أن تدْخُل في شؤون الله الذاتِيَّة، فالنبي عليه الصَّلاة والسَّلام نهاكَ عن ذلك؛ تَفَكَّروا في مخلوقات الله ولا تفَكَّروا فيه فَتَهْلَكوا. ومن ظنَّ به أنَّهُ أخْبر عن نفسِه، وصِفاتِه، وأفعالِه بما ظاهرُهُ باطِل وتشْبيهاً وتمْثيلاً، وترك الحق، ولم يُخْبِر به، وإنَّما رمَزَ به رُموز البعيد، وأشار إليه إشارات مُلْغِزَة؛ ولم يُصَرِّح به، وصَرَّح دائِماً بالتَّشبيه والتَّمثيل الباطل، وأراد من خلْقِهِ أن يُتْعِبوا أذْهانهم، وقِواهُم، وأفْكارِهم في تَحْريف كلامِه عن مواضِعِه، وتأويلهِ على غير تأويلِه، ويتطَلَّبُ له وُجوه الاحْتِمالات المُسْتَكْرَهَة، والتأويلات التي هي بالألْغاز والأحاجي أشبَه، وأحاله في معرفة صفاتِه وأسْمائِه على عُقولِهم وآرائِهم لا على كتابه، بل أراد منهم ألاّ يَحْمِلوا كلامهم على ما يعْرِفونه من خِطابِهم. أكبر حُجَّة يقولها بعض الناس عَدْلُهُ غير عَدْلِنَا، لأنَّهُ لو وَضَع هذا الإنسان الطائع في النار فهذا ليس ظلماً لأنَّنا في مُلْكِهِ.

المؤمن يُحْسِنُ الظنَّ بالله تعالى : دَقِّقوا؛ وأحاله في معرفة صفاتِه وأسْمائِه على عُقولِهم وآرائِهم لا على كتابه، بل أراد منهم ألاّ يَحْمِلوا كلامهم على ما يعْرِفونه من خِطابِهم ولُغاتِهم، والله عز وجل قال بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبين، معنى ذلك أنَّ كلامَ الله عز وجل يُفْهَم وَِفْقَ كلام اللُّغَة العرَبِيَّة، وَوِفْقَ أساليب العَرَبِيَّة في التَّعْبير؛ وهل مِنَ المَعقول أن يُخاطِبَ الناسَ بِلُغَتِهِم، وبِلِسانٍ عرَبِيٍّ مُبين، ويريد منَّا غير الذي حكاه؟! هذا لا يليق بالله عز وجل، فالله تعالى خلقك لِيَرْحَمَك، فهو كذلك، وليس لِيُعَذِّبَك، وإن قال لك: أنت مُخَيَّر، فأنت كذلك، وإن قال لك: أنا أعلم، فهُوَ تعالى حقيقَةً يعْلَم، فأنا أريد أن نكْتَفي بِما قالهُ الإله الكريم في كتابه، وأنا لا أتمنَّى على الله إلا كتاباً في العقيدة لا ينطلق إلا من القرآن والحديث فقط، أما عِلْمُ الكلام إن دخَلَ في العقيدة يجْعَلُها ألْغازاً، وأحاجيّ. نُكْمِلُ؛ قال: بل أراد منهم ألاّ يَحْمِلوا كلامهم على ما يعْرِفونه من خِطابِهم، ولُغَتِهم، مع قُدْرَتِه على أن يُصَرِّح لهم بالحقّ الذي ينبغي التَّصْريح به، ويُريحُهم من الألفاظ التي توقِعُهم في اعْتِقاد باطل، بل سلك بهم خِلاف طريق الهُدى والبيان، ومن ظنَّ ذلك فقد ظنَّ بالله ظنَّ السَّوْء؛ فَكُلُّ هذا الكلام على قوله تعالى: ﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ﴾ [ سورة آل عمران: 154 ] وتَوْضيحاً لهذه الحقيقة أقول: أنتم تسْكُنون في الشام، ولو أنّ أحدكم ذَهَبَ إلى أمْريكا، واشْتَرى كتاب جغرافيا مِن أرْقى مُسْتوى، وأكبر دار نَشْر نشَرَتْهُ، مِن ألف ومئتي صفْحة، تأليف مجموعة من الخبراء، فَتَح على الشَّرْق الأوْسَط، فإذا دمشق تحت بيروت على الساحِل؛ أَيُّهُما أصْدَقُ عنده، دِمَشْق في الداخِل، أم أن يرى دمشق على الساحِل؟ فالمؤمن شُعوراً بِكَمال الله عز وجل أقوى مِن أيِّة مناقَشَةٍ عِلْمِيَّة، فَلِذلك المؤمن يُحْسِنُ الظنَّ بالله تعالى. فإن ظنَّ قائل أنَّهُ غير قادِرٍ على التَّعْبير عن الحق باللَّفْظ الصَّريح الذي عبَّرَ به هو وسَلَفُه فقد ظنَّ بِقُدْرَتِهِ العَجْز، فإذا لا يَقْدِرُ الله تعالى أن يُعَبِّر تعبيراً واضِحاً يُريحُنا من هذه الخِلافات، معنى ذلك أنَّ الله عاجز عن الكلام، وإن قال: إنَّهُ قادِر ولم يُبَيِّن، وإنَّه عدَلَ عن البيان، وعن تَصْريح الحق، وأنَّهُ يوهِم خِلاف ما قال فقد ظنَّ بِحِكْمَتِه ورحْمَتِه ظنَّ السَّوْء، فهو إمَّا أن يظنّ بقُدْرَتِه عن التعبير ظنَّ السَّوء، وإما أن يظنّ بِرَحْمَتِه وقُدْرَتِه ظنَّ السَّوْء. كمالُ الخَلْق يدُلّ على كمال التًّصرُّف : بالجُمْلَة من ظنَّ به خِلاف ما وَصَفَ به نفْسَهُ فقد خاب وخسر؛ فالله عز وجل وصَفَ نفْسَهُ بالعَدْل بالآية، أو عطَل حقائق ما وصَفَ به نفْسَهُ، آية واضِحة بِلِسانٍ عربيٍّ مبين؛ لو قرَأتَها على مليون عربي لقال لك: هذا هو معناها! ومن ظنَّ أنَّ أحَداً يشْفَعُ عنده من دون إِذْنِهِ، أو أنَّ بينه وبين خَلْقِهِ وسائِط يرْفَعون حوائِجَهم إليه، أو أنَّ أحَداً نصَر عباده وأوْلِيائَه من دونه، ويتقَرَّبون بهم إليه، ويتوَسَّلون بهم إليه، ويَجْعَلونهم وسائط بينه وبينهم فَيَدْعونهم ويخافونهم ويَرْجونهم فقد ظنَّ به أقْبَحَ الظنّ وأسوَأهُ. ومن ظنَّ أنَّهُ يُسَلِّطُ على رُسُلُه أعْداءَهُ تَسْليطاً مُسْتَقِرّاً دائِماً في حياتِه وفي مماتِه، ولا يُفارِقونَهُ، فلَمَّا مات اسْتَبَدُّوا بالأمن دون وَصِيَّتِه، و ظَلموا أهل بيْتِه، وسَلَبُوهم حُقوقهم، وأذَلُّوهم وكانت العِزَّة والغَلَبة والقهْر لأعْدائِه وأعْدائِهم دائِماً، مِن غير جُرْمٍ ولا ذَنْبٍ لأوْلِيائِه وأهل الحق، وهو يرى قَهْرَهم لهم، وغَصْبَهم إياهم حقَّهُم، وتَبْديلهم دين نبِيِّهم وهو يَقْدِرُ على نُصْرتهم، وحِزْبُهُ وجُنْدُه فقد ظنَّ بالله ظنَّ السَّوْء. مخلوقاته تدل عليه سبحانه وتعالى والذي أريده بهذا الكلام أنَّ هذا الكَوْن ينْطلق بكمال الله ووَحْدانِيَّتِه وينطقُ بِوُجوده، وهو الشيء الثابت، وكمالُ الخَلْق يدُلّ على كمال التًّصرُّف، ولكنَّ البشر جميعاً لا يسْتطيعون أن يُحيطوا بِعِلْمِ الله، ولا أن يَفْهموا ذات الله، فهذا شيء فوق طاقتنا، إلا أنَّهُ يَكْفينا أنْ نفى الله تعالى عن نفْسِهِ الظُّلْم، فهل في هذا إشْكال؟ يَكفينا أنّ الله تعالى بآياتٍ صريحة وغير صريحة أكَّدَ أنَّنا مُخَيَّرون، وأنّ الله تعالى لا يظْلِمُنا ولا النبي عليه الصلاة والسلام يستطيع أن يُحيط بالله تعالى، وأنا أتَمَنَّى من أخواننا أنْ يمسكوا موضوع القضاء والقَدَر؛ والنبي عليه الصلاة والسلام وصَانا وقال: ((إذا ذكر القضاء فأمسِكوا )) [ رواه المناوي في الفيض ] أنت معك دليل، وكلُّ هذا الكون ينْطِقُ بِكَمال الله وبِوَحْدانِيَّتِه ووُجودِه، وهذا المنهج الذي بين أيْدينا مَنْهَجٌ كامٍل وموصِل إليه، أما أن ندْخل في ذات الله؛ فَكَيف نُوَفِّق بين أنَّه تعالى يعْلم، وبين أنَّ الإنسان مُخَيَّر؟ فهو تعالى يعْلَم، قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [ سورة الحجرات: 16 ] تَعَلَّق عِلْمُ الله بِكُلِّ شيء، وقال تعالى: ﴿ وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾ [ سورة الأنعام: 148 ] العقل ميزانٌ مَحْدود وَلَهُ مُهِمَّات مَحْدودة : عقلك محدود فلا ترهقه بتجاوز حدوده قالوا: أنت مُخَيَّر بِمئة آية، ويعلم بِألف آية، فأنا حتَّى أجعل مُلَخَّصاً لما جرى في الأسبوع الماضي أقول: الله عز وجل كامِل، ثمَّ أصبحنا أيها الأخوة وكأنَّنا لا نفهم معنى العُبودِيَّة! ما العُبودِيَّة؟ أنت عَبْدٌ ومُهِمَّتُك أن تتحَرَّى أمْرَهُ تعالى وتُطَبِّقَهُ وعندها تنتهي مُهِمَّتُك، والدليل قوله تعالى: ﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾ [ سورة الزُّمَر: 66 ] فقد أصبح بعضنا يتطاوَل إلى أن يُناقِشَ الله عز وجل، لِمَ فَعَلْتَ؟ ولِمَ لمْ تَفْعَل؟ ولِمَ تَعْلَم؟ ولِمَ لا تعلَم؟ ليس هذا هو مقام الإنسان! فالعَبْدُ عَبْدٌ والربُّ ربٌّ. أنا أحْياناً أميل إلى السَّلَف الصالِح من حيث أنَّنا عِباد، وما علينا إلا أن نُطيعَهُ، وانْتَهى الأمْر، وهذا عِلْمٌ عالٍ، فأنت في أعلى درَجات العلْم حينما تقول: لا أدْري! والعَجْزُ عن الإدْراك إدْراك، فالذي يدْخُل في متاهات، ويتَّهِمُ الله تعالى في عَدْلِه وعِلْمِهِ ويقول: الله تعالى لا يعْلَم! فهل هذا هو مقامُك؟ أن تنفي عن الله العِلْم مِن أجل أن تُثْبت بِبَساطة وسذاجَةٍ أنَّهُ عادِل!! ألا يكْفي أنَّه نفى عن نفْسِه الظُّلم في كثير من الآيات؟ عِلْماً أنَّك لن تستطيع أن تُثْبِتَ عدالتَهُ بِعَقْلِك إلا في حالةٍ واحِدَة، وهي أن يكون لك عِلْمٌ كَعِلْمِ الله؛ كُلُّ هذا الكون لا يَكْفيك! فأنت لو دَخَلْتَ إلى طبيب، ووجدْتَ على الحائط شَهادة بورد، وهي أكبر شهادة طبّ في العالم! فيُمْكِن لهذا الطبيب أن يُعْطيك دواءً لا ترْضَى به أنت! فلا أعْتَقِدُ أنْ يَشُكَّ المريض بالطبيب العالم والمُخْتَصّ ولو جاءَتْ التَّعْليمات خِلاف المرغوب، أفلا يسْتَحِقُّ الله جلّ جلاله، وهذا الكَوْن الذي خلقَهُ لنا أن نسْتَسْلِمَ له؟ لذا أنْصَحُكم؛ هناك موضوعات عليكم أن تُريحوا أنفسَكم منها، والوَقْت ثَمين والمُهِمَّة كبيرة، والجنَّة عرْضُها السَّماوات والأرض، وهي تَحْتاج إلى اسْتِسْلام، فأكبر خطأ نرْتَكِبُه جميعاً هو: هل عَقْلَنا قادِرٌ على فَهْمِ كلِّ شيء؟! لا، عَقْلُكَ ميزانٌ مَحْدود، وَلَهُ مُهِمَّات مَحْدودة، فما دُمْتَ تَصْرِفُهُ إلى هذه المُهِمَّات فَهُوَ يُعْطيك أرْوَع النَّتائِج، أما حينما تتجاوَزُ المُهِمَّات التي أُنيطَتْ به؛ فرُبَّما يعْطيك نتائِج غير مُتَوَقَّعة، وتكون بهذا قد حَطَّمْتَ عَقْلَك. العقيدة يجب أن تكون وفق منهج الله تعالى ومنهج رسوله صلى الله عليه وسلَّم : اليوم سَنُكْمِل الإلهِيَّات إن شاء الله عز وجل، وبعدها ننتَقِلُ إلى النبوَّات إن شاء الله تعالى. بالمناسبة أقول حول سؤال ذُكِر: أنَّه لا بدّ علينا أنْ نُعْمِلَ عقولَنا، وأن نُفَوِّض في آنٍ واحِدٍ، أنْ نُعْمِلَ عقلنا فيما قاله الله عز وجل لا في رَدِّهِ، ثمَّ إنَّ كلام الشيخ ابن القَيِّم أَعُدُّهُ أنا حُجَّةً، وهو شيء مُهِمّ جداً، فالله تعالى قال: ﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ [ سورة الأعراف: 180 ] وقال تعالى: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ [ سورة الأعراف: 156 ] فالحاصل من كلامنا أنَّه لا يمكننا أن نُصَدِّق أن يُعَذَّب إنسانٌ إلى الأبد ولا ذَنْبَ له! وقال العلماء: الجَنَّـةُ مَحْضُّ فَضْلٍ، والنار مَحْضُ عَدْلٍ، فَهَل يُعْقل أنَّ إنساناً لا ذَنْب له ولا اختِيار ولا إثْم يَخْلُدُ في النار إلى أبَدِ الآبدين، فَعَدْلُهُ تعالى يُفْهَمُ وَفْق مقاييِسِنا، وكلامه يُفْهَمُ وَفْق لُغَتِنا. فالعقيدة شيء خطير إذا كانت على غير منهج الله تعالى، ومنهج رسوله صلى الله عليه وسلَّم، وقد ذَكَرْتُ لأحدهم فقُلْتُ: لو أنَّ الإنسان مصاب بضَغْط ثمانية عشر؛ وهذا يعني أنَّه يمكن أن تنتج عنه عواقب وخيمة؛ انفجار شريان بالدِّماغ! يُسَبِّب خَثرة دِماغِيَّة؛ إما شللاً أو فقْدَ ذاكرة، فلو أنّ أحدنا اعتَقِدُ أنّ المِلْح ينزِّل الضَّغْط؛ ما هذا الرأي؟ هذا رأيٌ قاتِل، أما لو نوى أن يأكل سُكَّراً فإذا به يأكل الملْح! فهذا خطأ لا يتكَرَّر، أما خطأ أنَّ الملح يُنَزِّل الضَّغْط فهو قاتِل، فأخْشى ما أخْشاه أن يكون في العقيدة خلل، وسوء ظنٍّ بالله، ولا تقلْ: الله يعلم كلّ شيء، وانتهى الأمر، لكنّ العلماء قالوا كلاماً نفيساً، وهو أنَّ عِلْمَ الله تعالى عِلْمُ كَشْفٍ وليس جَبْرٍ، وأنت مُخَيَّر بِنَصِّ القرآن الكريم. القضاء والقدَر كالناظِر في الشَّمْس كلَّما ازْداد تَحْديقاً بها ازْداد عمى : قال تعالى: ﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [ سورة البقرة: 148 ] وقال تعالى: ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾ [ سورة البقرة: 148 ] وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد فأنت مُخَيَّر بِعَشرات الآيات، والله تعالى يعْلم بِعَشَرات الآيات، وانتهى الأمر، وإلى هنا قِف! لأنَّ القضاء والقدَر كالناظِر في الشَّمْس؛ كلَّما ازْداد تَحْديقاً بها ازْداد عمًى، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: ((إذا ذكر القضاء فأمسِكوا )) [ رواه المناوي في الفيض ] يُمْكِن أن تُفَكِّر في الكَون فَتَذوب كالشَّمْعَة تَعْظيماً لله تعالى ولِعِلْمِهِ مِن خِلال صَنْعَتِهِ، فهذا باب مُسْتَحْسَن، ومَطْلوب، ومَرْغوب فيه؛ فَكِّرفي مخلوقات الله، أما إنْ فَكَّرْتَ في الله فإنَّك تَهْلَك، وهذا كلام نقوله لكل البَشَر، قال تعالى: ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾ [ سورة البقرة: 148 ] وقال تعالى: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً ﴾ [ سورة الإسراء:85] لا يعرف الله إلا الله ولا يعرف رسول الله إلا الله ورسول الله : لا يعرف الله إلا الله، ولا يعرف رسول الله إلا الله ورسول الله، فَنحن نَقِفُ عند حَدِّنا، ورَحِمَ الله عبْداً عرف حَدَّهُ فَوَقَفَ عنده. أضرب لكم مثَلاً، لو قيل لك: لك عندي قصْرٌ في آخر هذا الطريق! فالأوْلى أن أسير أم أنْ أبقى أُفَكِّر في القَصْر؟‌‍‍! عَمَلٌ غير حكيم، ادُّخِرَ سرّ القضاء والقدر إلى يوم القيامة، فالله تعالى ادَّخَر لنا مُفاجأة، والأمر إذا كان واضحاً واضِحاً يصبح لا قيمة له، فنحن ليس بالضرورة أن نعْرِفَ كلّ شيء، فَمَثَلاً مثلَّث بَرْمُودا! لا أعرف كنهه، والله تعالى جعَلَ هذا المثلَّث تَحَدِّيّاً للبشر، وليس شرْطاً أن أعرف ظروفه؛ تَمُرُّ طائرة فَتَنْزِل، أو باخرة فتَغوص! ماذا بهذا المثلثّ؟! هو لغزٌ في العالم، ولا أحَدَ يعرف!!! مثلَّث قبل أمريكا، ومرض الإيدز أليس سرّاً؟ وكذا مرض الرَّشَح أخْطر مرض يتحَدَّى العصْر؛ يقول لك: إن أخَذْتَ الدَّواء أو لم تأخذْهُ فَمُدَّة التخلُّص منه واحِدَة!! لذا لا تظنّ مِن السَّهْل الإحاطة بالله تعالى! وهل يمكن أنْ تعرف نِهايَة الكَوْن؟! دَعْكَ من خالق الكون، وتعال إلى الكون؛ هل هذه المجرات تعرف دقائقها بالتَّفْصيل؟! فالمجَرَّة تمشي بِسُرعة مئتين وأربعين ألف كيلومتر في الثانية، والآن أين هي؟ وإذا كانت المُوَرِّثات؛ خَمْسَة آلاف مليون معلومة مُبَرْمَجَة مَوْضوعة على نُوِيَّة خَلِيَّة، لم يعرفوا الآن إلا ثمانمئة فقط! كرموزومات؛ هذا طويل وذاك قصير، وذاك عُيونه سود، والآخر خضر، وذلك زرق، شَعْر كثيف ومُجَعَّد؛ وهذا عصبي وآخر هادئ، خمْسة آلاف مليون مَعْلومة تُسْهِم في تَشْكيل الإنسان. الشرايين تضيق، وفَقْدُ الإنسان لِشَوارِد البوتاسيوم يجعله يسقط حينما يقفُ، فإذا تَقَدَّم الإنسان في السِنّ، وضَعُفَت عنده هذه الشَّوارِد تجده عندما يقف يسقط رأساً! ما هذه الآلِيَّة؟ لا يزال جسم الإنسان يحوي ملايين المجاهيل التي لم يكتشِفْها الإنسان، وكذا النبات والحيوان، مئة وأربعون مليار خَلِيَّة سمْراء لم تُعْرَف وظيفتها بعْدُ في الدِّماغ! فأنت إذا كنت لا تستطيع أن تعرف مخْلوقاتِه، فكيف تريد أن تعرفه هو تعالى؟!! علم الله مطلق : قال: ولم يَخْفَ عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلِمَ ما هم عامِلوه قبل أن يخلقهم، الآن هذا سؤال: إذا قلنا: فألْهَمَها فُجورَها وتَقْواها، إذا قيل لك: ألْهَمَها فُجورَها،أي: أَجْبَرَها على أن تكون فاجِرَة! هكذا فَهِمَها، وقال لك آخر: ليس هذا هو المعنى، ولكن إذا فَجَرَتْ تَكْشِفُ فِطْرَتُها العالِيَة أنَّها فَجَرَت، فأيُّ المعنى الذي يليق بذات الله؟ الثاني طَبْعاً إذْ لو قلنا بالقَول الأوَّل لكان فُجورها من فِعْل الله تعالى، ولا ذَنْبَ لها به لكنَّهُ يُعَذِّبُه على فُجورها. هناك معنىً آخر وهو أنَّهُ تعالى فطَرَها فِطْرَةً بِحَيْث إذا فَجَرتْ تَعْلمُ أنَّها فَجَرَت مِن دون مُعَلِّم، ومن دون مُوَجِّه، فلا تقل: ولكن، وإن سَرَق، وزنا! فهذا الأمر بالماضي؛ قال: سرقَ ولم يقل يسْرق، فالإنسان إذا أسْلَم فإسلامه يَجُبُّ ما قبله. بالمناسبة؛ سيِّدُنا يوسف عليه السلام هل كان معه كتاب سماوي؟ ولكن كان معه شيء لا يقل عن مرتبة الكتاب، قال تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [ سورة يوسف: 21] فَتَأويل النَّص عِلْمٌ قائِمٌ بذاتِه! والقُدْرة على فَهْم النَّص اخْتِصاص. قال: فإنَّه سبحانه يعْلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، كما قال تعالى: ﴿ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ [سورة الأنعام: 28] وإن كان يعلم أنَّهم لا يُرَدُّون، ولكن أخبر أنَّهُم لو رُدُّوا لعادوا كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾ [ سورة الأنفال: 23 ] الله تعالى خلَقَ الخَلْق لِعِبادَتِه : غاية الخلق عبادة الخالق في ذلك رَدٌّ على الرافضة والقَدَرِيَّة الذين قالوا: إنَّهُ لا يعْلمُ الشيء قبل أنْ يَخْلُقَهُ! فلو كان الأمر كذلك فما الفرق بيننا وبين الله تعالى؟ فلو كنت بِبُسْتانٍ ورأيْتَ ورَقَةً تسقط، فأنت الآن علِمْتَ وهي تَسْقُط أنَّها تسْقُط! والله تعالى قال: ﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ [ سورة الأنعام: 59 ] فإذا أنت كنت تعلم حينما تسقط، والله تعالى يعلم حينما تسقط فهل هناك فرق بين عِلْمِكَ وعِلْمه؟! سِيَّان!! قال: وأمَرَهُم بِطَاعتِهِ ونهاهُم عن مَعْصِيَّتِه، وذكرُ الشيخ رحمه الله تعالى الأمْرَ والنَّهْي بعد ذِكْرِه الخلْقَ والقَدَر إشارَةً إلى أنّ الله تعالى خلَقَ الخَلْق لِعِبادَتِه، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [ سورة الذاريات: 56 ] وقال تعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾ [ سورة الملك: 2] قوله: كلّ شيء يجْري بِتَقْديرِهِ ومشيئَتِه، ومشيئَتُهُ تنْفُذ، ولا مشيئَةَ للعِباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان، وما لم يشأ لم يكن. مشيئة الله تَسْتَوْعِبُ مشيئة الإنسان : اسْمَحوا لي الآن أن أقْرَأ الآيات، وأُفَسِّر معناها، فهذا الكونُ كَوْنُ الله تعالى، ولا يقَعُ شيء إلا بِمَشيئة الله تعالى، ولا يستطيعُ عَبْدٌ مهما كان كبيراً أن يفعَلَ شيئاً ما أراده الله، وإنّ كلّ شيء وقع أراده الله تعالى، وكل شيء أراده الله وقَع، وإرادة الله تعالى مُتَعَلِّقَةٌ بالحِكْمَة المطلقة، وحِكْمَتُهُ المطلَقَة مُتَعَلِّقَةٌ بالخير المطلق، فَكُلُّ شيء يجري بِتَقْديره ومشيئَتِه، ومشيئتُهُ تنْفذ لا مشيئة العبد، فما شاء لهم كان وما لم يشأ لم يكن، وهذا الكلام يحْتاج إلى تَوْضيح، فَمَشيئةُ الله تَسْتَوْعِبُ مشيئة العِباد، فأنت مُخَيَّر، ثم أَراَدَ لا سَمَحَ الله إنسانٌ فاجر وفاسق أن يسْرِق، فأراد الله له أن يُحَقِّقَ له اخْتِيارَهُ، فمشيئةُ الإنسان تَعَلَّقَتْ بالسَّرِقَة، ولأنَّ الإنسان مُخَيَّر تَعَلَّقَتْ مشيئة الله تعالى بِتَمْكينِهِ من السَّرِقَة، ولكنَّ الله تعالى يُنَسِّق؛ اِسْرِق مِن هذا!! فهو يُحَقِّق لِهذا السارِق مشيئَتَهُ، ويُؤَدِّب هذا المَسْروق، والظالم سوْط الله ينْتَقِمُ به ثمّ ينْتَقِمُ منه، وهذا الكلام معناه أنَّ مشيئة الله تَسْتَوْعِبُ مشيئة الإنسان، فلَمَّا يسرق هذا الكافر أو يقتل فهو ما فعَلَ إلا ما أراده الله تعالى، لِحِكْمَةٍ بالِغَة، حَقَّقَ لِهذا مشيئتَهُ لأنَّهُ مُخَيَّر، وأدَّب بِهذه المشيئة بَقِيَّة خلقِه، وهذا هو التَّنسيق، وكل شيء يجْري بتَقْديرِهِ ومشيئته، ومشيئتُهُ تنْفذ، ولا مشيئَةَ للعباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان وما لم يشأ لم يكن، فالشيء إذا وَقَعَ يعني أنَّ الله تعالى قد شاءَهُ، وإذا اخْتَرْتَ شيئاً ونفَذتَ ما شئتَ فالمعنى أنّ خطَّة الله اسْتَوْعَبتْ مشيئتك، فما كان لك أن تشاء، وأن تُحَقِّق ما تشاء؛ لولا أنَّ الله تعالى شاء لك أن تُحَقِّقَ ما تشاء، فأنت تبقى مُخَيَّراً، ولكن فعْلَك يُنَسَّق من قِبَلِ الله تعالى. قال تعالى: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ﴾ [ سورة الإنسان: 30 ] وقال تعالى: ﴿ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً ﴾ [ سورة الإنسان: 29 ] مشيئة الله سبحانه مُقَنَّنة بِكمالِهِ : أنت مُخَيَّر، ومشيئتُكَ لا تَتَحَقَّق إلا أن يسْمَحَ لك الله تعالى، فالفِعْلُ فِعْلُهُ ولا يُحَقِّق لك مِن مشيئتِك إلا ما يشاء، ثمّ قال تعالى: ﴿ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً*وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً* يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ [ سورة الإنسان: 29-31] فالقَضِيَّة ليْسَت مِزاجِيَّة، فهو تعالى أدْخَلَ المُقْسِطين، ولم يُدْخِل الظالمين، وأدخل المستقيمين، وهذا يعني أنّ مشيئته مُقَنَّنة بِكمالِهِ. فأنت لك مشيئة لكنَّ هذه المشيئة تفْتَقِرُ إلى فِعْل، والله عز وجل فعَّال لِما يُريد أما أنت وأنا نشاء ولا نفْعَل، فمثَلاً أتمنَّى أنا أن يكون معي ألف مليون، ولكن لا أسْتطيع، إلا أنّ الله تعال فعَّال لما يريد، ومشيئة الإنسان يتحَقَّقُ منها ما يُريدُه الله تعالى فإذا انْقَلَبَتْ إلى فِعْل، فَمَشيئة الله تعالى شاءت أن تقَعَ هذه المشيئة، فَتَنْفيذ المشيئة تحتاج إلى مشيئة الله تعالى. فأنت ـ حسب أصحّ الكلام ـ سُمِحَ لك أن تخْتار، وشاءتْ مشيئة الله أن تكون أنت ذا مشيئة، فأنت مُكَرَّم، أما كل الخَلْق فمُسَيَّرون؛ الحيوان والملائكة والجماد؛ إلا الإنس والجنّ اللَّذَيْنِ شاءت لهما مشيئة الله أن يشاؤوا، قال تعالى: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ﴾ [ سورة الإنسان: 30] الله تعالى رسَمَ للإيمان طريقَهُ فلن يؤمن الإنسان إلا من خِلال هذه الطريق : وقال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ﴾ [ سورة الأنعام: 111] ما معنى هذه الآية؟ إذا صعد شخصٌ إلى السماء ورجع بعد ساعتين وقال: رأيت الذات الإلهِيَّة فالآن أُومِن، أما الآخر فقال: لا، أنا لا أومن، وإذا خرج شخصٌ من قبره، وقال: هناك آخرة أُصَدِّقُه، وذاك قال: إذا مشى الجبل أُصَدِّق، فالله تعالى قال: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ﴾ [ سورة الأنعام: 111] طريق الايمان واضح لمن يريد رؤيته فالله رسم للإيمان طريقه، وبشَكْلٍ مُبَسَّط لو أنَّك تقرأ الطب خمْس سنوات فلن تحصل على شهادة طبّ، ولو بقيتَ في المستشْفيات خمْس سنوات كذلك لن تنالها إلا إذا تحَصَّلْتَ على شهادة البكالوريا بِتَفَوُّق؛ فلن تكون طبيباً حتَّى تسْلك الطريق التي رُسِمَتْ للأطِبَّاء؛ بكالوريا زائد سبع سنوات دراسة طب، وإلى آخره، فلو أنَّكَ طَلَبْتَ الإيمان بالله عن طريق المعْجزات فلن تؤمن إلا إذا شاء الله، فاليهود رَأوْا المُعْجِزات؛ عصاً أصْبَحَتْ ثعباناً ‍‍فمنهم مَن انحرف وضلّ! فالآية هذه دقيقة جداً، والله تعالى رسَمَ للإيمان طريقَهُ، فلن تؤمن إلا من خِلال هذه الطريق، قال تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾ [ سورة الأنعام: 112] لأنَّ الفعْلَ فِعْلُهُ، هناك مَثَلٌ أُوَضِّحُهُ لكم كثيراً، وأذْكرهُ كثيراً، أنت صَيْدلي وتطلب مُوَظَّفاً على مستوى عالٍ من الثَّقافة، وأرَدْتَ أن تمْتَحِنَهُ، فأتَيْتَ بِكَمِيَّة من الدواء، وقلتَ له: ضعْ هنا الفيتامينات، وهنا الحبوب، وهنا السُّموم، ثمّ قلت له: وَزِّع هذه الأدْوِيَة! فلو أنَّه وضَع الفيتامينات مع السُّموم، ومنَعْتَهُ من الإتْمام فأنت لم تمْتَحِنْهُ! لكنَّك تشاء له أن يتَحرَّكَ خطأً، لأنَّهُ في مَوْطِن الامتِحان، فالله تعالى ما أمَرَ بالكُفْر، فإن كفَرَ شخصٌ فهو تعالى أراد ولم يرْضَ، ومعنى أراد أي سَمَحَ. الله تعالى أعْطانا الحُرِيَّة كي نرْقى بها ونكون مخلوقات مُتَمَيِّزَة جداً : ومِن ثَمّ قال تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ [ سورة يونس: 99] لو أنَّ الله تعالى ألغى الاخْتِيار وجعلنا كالملائكة والحيوانات، لا تكليف، ولا أمانة، ولا شَهَوات، فالله تعالى أعْطانا الحُرِيَّة كي نرْقى بها، ونكون مخلوقات مُتَمَيِّزَة جداً. هناك آية فيها إشكال، وهي قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [ سورة الأنعام: 125] الله تعالى يُعينُ المؤمن إذا اخْتار الطريق الصحيح، ويشْرح صدْره؛ فهذه اسمُها مُعينات، فالإنسان إذا صلى واستقام يُسَرُّ ويرتاح، فهذا خلق الله فيه السرور والراحة تَشْجيعاً لك، وإذا انتَكَس الشخصُ، وترك الصَّلاة، وخرق الاستقامة فإنَّهُ يجدُ ضيقاً، فالقلوب بِيَد الرحمن، يشْرحها لك تشْجيعاً لك، ويُضَيّقُها رَدْعاً لك، ليس المعنى أنّ الإنسان مَجْبور، فأنا أُحاول أن أُبَيِّنَ معنى الآيات التي يُفهَم منها خطأً عقيدة الجبْر. الضلال الجزائي : قال تعالى: ﴿ وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [ سورة هود: 34] كيف نُفَسِّرُ هذه الآية؟ معنى كلمة يُغْوِيَكم؛ أيْ يُخْرِج ما في نُفوسِكم من شرّ! الإغْواء هو الإضلال، فالله تعالى لو أراد أن يُغْوِيَكم لما أفادكم نصحي، وهناك معنى ثانٍ؛ وهو لو اعْتِقَدْتم أنَّ الله خلقكم لِيُغْوِيَكم لن تسْتفيدوا من دَعْوتي. قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [ سورة الأنعام: 39] هذا ضَلال جَزائي، المَبْني على ضَلال اخْتِياري، فمَثلاً لو أنَّ الإنسان له زوْجة ممتازة، وعاملَها باللُّطْف، وأحْسَنَ إليها، فهذا لم يفْعَلَ شيئاً، أما لو أُصيبَتْ زَوْجَتُهُ بشَلل، ثمَّ تضايَقَ منها، وأهْمَلَها، فهذا كذَّاب، ومنافق، لأنَّه صاحب مصْلَحَة، فالخبث الكامن لا يظهر إلا بالامْتِحان، فالله عز وجل لمَّا علِمَ أنّ فيهم خبْثاً، وضَعَهُم بِظَرْفٍ أخْرج به خُبْثَهم. ذَمَّ الله تعالى المشركين حيث جَعَلوا الشِّرْك كائِناً منهم بِمَشيئَةِ الله فعَزَوا شِرْكَهم إليه: إن قيل: يُشْكِلُ على هذا قوله تعالى: ﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾ [ سورة الأنعام: 148 ] وقوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾ [ سورة النَّحل: 35 ] وقوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ﴾ [ سورة الزخرف: 20 ] فقد ذَمَّهم الله تعالى حيث جَعَلوا الشِّرْك كائِناً منهم بِمَشيئَةِ الله، فعَزَوا أخْطاءَهم وشِرْكَهم إلى الله عز وجل. وكذلك ذمّ إبليس حيث أضاف الإغواء إلى الله، إذْ قال في قوله تعالى: ﴿ قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [ سورة الحجر: 39] فالله تعالى ما أقَرَّهُ على هذا الكلام، وهي دَعْوى إبليس! مشيئة الله تعالى ليسَتْ دليلاً على أمرِهِ ولا على رِضاه : قال: قد أُجيب على هذه الآيات بِأجْوِبَة؛ أحْسَنُها أنَّهُ أنْكر عليهم ذلك، لأنَّهم احْتَجُّوا بِمَشيئَتِه على رِضاه وَمَحَبَّتِه، فالمشيئة شيء وأمْرُهُ ورِضاه شيء آخر، فأحْياناً يكون الأب مُثَقَّفاً ثقافَةً عالِيَة، فيَكون كلّ طُموح الأب أن يكون ابنه مُثَقَّفاً، فإن لم يكن كذلك يَضَعُهُ في صَنْعَة يتعلمها، فالأب شاء له العلم، ولم يرْضَ لابنه أن يكون صاحب صَنْعة، بل صاحب ثقافة دراسِيَّة، فأكْبَر خلط أن تظن أنَّ مشيئته هي عَيْنُ رِضاه، وأنَّ مشيئته عين أمْرِه! لا، ثم لا، ما معنى ليس في إمكاني أبْدعُ مِمَّا أعْطاني؟ هل يوجد أبٌ يَتَمَنَّى لابنِه عَمَلِيَّة جِراحِيَّة؟ ولكنه يرضاها له، فَمَشيئته غير رضاه وغير أمْرِه. وقالوا: لو كرِهَ ذلك وسَخِطَه لما شاءَهُ، فجعلوا مشيئتَهُ دليل رِضاه، فرَدَّ الله عليهم ذلك، أو أنَّهُ أنْكر عليهم اعْتِقادهم أنَّ مشيئة الله تعالى دليل على أمرِه به فليسَتْ مشيئة الله تعالى دليلاً على أمرِهِ، ولا على رِضاه، وهذا واضِحٌ. أو أنَّهُ أنكر عليهم معارضَتَهُ شرْعَهُ، وأمْرَهُ الذي أرْسَل به رسله، وأنْزل به كُتُبَهُ بِقضائه وقدره، فجعلوا المشيئة العامَّة دافِعَةً للأمْر، فلم يذْكروا المشيئة على جهة التوحيد، وإنَّما ذكروها مُعارضين بها لأمْره، دافِعين بها لِشَرْعِهِ، كَفِعْل الزنادِقَةِ والجُهَّال إذا أُمِروا، أو نُهوا احْتَجُّوا بالقَدَر، وهناك رواية قال: وقد احْتَجَّ سارق على عمر رضي الله عنه بالقَدَر، فقال: إنَّ الله قدَّر عليَّ ذلك، قال: وأنا أقْطَعُ يدك بِقَضاء الله وقدَرِهِ! إذا كنتَ تظنّ أنَّ هذه الجريمة التي قد ارْتَكَبْتَها بِقَضاء الله وقدره، فنحن نقطع يدك بِقَضاء الله وقدرِه، فهذا أراد أنَّ الله تعالى هو الذي أجْبره على ذلك، ويشهد لِذلك قوله: ﴿ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾ [ سورة الأنعام: 148 ] فَعَلِمَ أنَّ مُرادهم التَّكْذيب، فهو مِن قبل الفِعْل مِن أين له أنْ يعلمَ أنَّ الله تعالى قدَّره أو لم يُقَدِّرْهُ؟ أطَّلَعَ الغيْب؟! فما دُمْتَ لا تعلم الذي يعْلمُه الله فهذا العِلْم لا يمكن أن يكون حجَّةً لك. وإن شاء الله تعالى في درْس قادِم نُتابع الموضوع، ونَصِل إلى النبوَّات، ونكون قد تجاوزنا أصعب جزء من الكتاب، والباقي سيَكون سهْلاً إن شاء الله تعالى. والحمد لله رب العالمين

العقيدة الطحاوية

العقيدة - العقيدة الطحاوية - الدرس (03-20) : القرآن كله توحيد لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1995-02-18

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. التوحيد مرْحلتان؛ مرحلة في الإثبات والمعرفة والثانية توحيد في الطلب والقصْد : أيها الأخوة المؤمنون، لا زلنا في موضوع التوحيد؛ توحيد الألوهِيَّة، وبعد أن تحَدَّثنا في دروس سابقة عن توحيد الربوبيَّة، وقد اتَّضَح لكم أنَّ توحيد الربوبيَّة ليس مُشكلةً على مُسْتوى الناس جميعاً، لأنَّه ما من واحِدٍ حتى لو كان يعْبَدَ صَنَماً إلاّ ويقول: لا نعْبدهم إلا لِيُقَرِّبونا إلى الله زُلْفى، قال تعالى: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ﴾ [ سورة الزخرف: 123 ] فَنَحن في توحيد الألوهِيَّة نُعاني من الشِّرْك الخفيّ، حينما تشْعر أنَّ جِهَةً بِإمْكانها أن تنْفعك أو تضرَّك فقد وَقَعْتَ في الشِّرْك الخفي، وفي شِرْك الألوهِيَّة. ثم إن توحيد الألوهِيَّة يقْتضي شيئين: الشيء الأول أن تُوَحِدَّ الله سبحانه وتعالى مَعْرِفَةً وإثْباتاً، وأن تُوَحِّدَهُ طَلَباً وقصْداً، فأنت أمام مرْحَلَتَيْن هما: مرحلة المعرفة، ومرْحلة التَّوَجّه، فلو أنَّ الإنسان اكْتفى بالمعرفة لما اسْتفاد شيئاً من علمه، قال تعالى : ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ [ سورة فصلت: 6 ] أكبر مُنْزَلَق لِطالب العِلْم أن يتَوَهَّم أنّ العِلْم مَقْصودٌ بِذاته، لكنَّ الحقيقة أنّ العِلْم مقْصودٌ لغيره، فهو وسيلة، وليس غاية، لو وَحَّدْتَ الخالق، ولم تُوَحِّد الوِجْهة إليه، ونِيَّتَك له، فما وَحَّدْته، لذلك التوحيد مرْحلتان: مرحلة في الإثبات والمعرفة، والثانية توحيد في الطلب والقصْد.

الآيات التي دَعَت إلى التوحيد في القرآن الكريم :

مؤلِّف الكتاب يقول: نوع التوحيد في المعْرفة ظهر في أوَّل سورة الحديد، وفي أوَّل سورة طه، وآخر سورة الحشْر، وأوَّل السَّجدة، وفي أوَّل آل عمران، وفي سورة الإخلاص، فَنَرْجو منكم أن تعودوا إلى هذه السُّوَر كما جاء في متْن هذا الكتاب، وأن تكْتَشِفوا هذه الآيات التي دَعَت إلى التوحيد في الإثبات والمعْرفة، قال تعالى: ﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾ [ سورة طه: 14 ] والثاني التوحيد في الطلب والقصْد، وقد أتى على هذا النوع من التوحيد قوله تعالى : ﴿ قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ*لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ [سورة الكافرون: 1-2] وقوله تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ [سورة آل عمران: 64]

القرآن الكريم كلَّهُ توحيد : النقطة الدقيقة جداً أن ينقلك التوحيد الأوَّل إلى التوحيد الثاني، وعلى هامِش هذا الموضوع التَّفَكّر في آيات الكون، في الحقيقة هي جِسْرٌ ينبغي أن تنْقلك إلى الله تعالى، فكلُّ آيةٍ في جسْمك، أو طعامك، أو في الآفاق قد تنقُلُك إلى الله، فالعِبْرة، والمُعَوَّل عليه أن تصِلَ إلى الله تعالى، فلذلك: الطرائق إلى الخلائق بِعَدد أنْفاس الخلائِق، فالعِبْرة إذًا الوُصول، تَصَوّر أنَّ الوسائِل جِسْر، فالعاقل لا يبقى على الجِسْر، بل ينتقل من الجِسْر إلى الشطْر الثاني. مُؤَلِّف الكتاب يرى أنَّ القرآن الكريم كلَّهُ توحيد؛ كيف؟ قال: إذا أخبر الله عن ذاته، وعن أسمائه، وصِفاته، وأفعاله، فهذا هو التوحيد العِلْمي، أما إذا دعا إلى عِبادته، وطاعته، وإخْلاص الوِجْهة له، والقصْد له، فهذا هو التوحيد العمَلي، وهناك توحيدٌ ثالث: هو التوحيد الإرادي، والطلبي، وهو أمْرٌ، ونَهْيٌ، وإلْزامٌ بِطاعَتِهِ، فهذا من لوازم التوحيد العملي؛ أن تأتَمِر بما أمَرَ، وتنْتهي عما نهى عنه وزجَر، وأن تُقيمَ شَرْع الله في كُلّ شؤون حياتك، وهذا التوحيد من لوازم التوحيد العملي، فإذا حَدَّثَك عن أهل الجنَّة ونعيمها، فهذه نتائِجُ التوحيد، توحيد علمي، وتوحيد عملي، ونتائج التوحيد، ولوازمه، فلو قرأتَ القرآن كلَّه فإنَّك لا تقرأُ آية تخرج عن هذا، أما إذا حَدَّثَك عن مصير الكفار في النار، فهذا من نتائِج عدم التَّوحيد، إذاً لا يخلو كتاب الله على إجْماله من آيات تُخْبرنا عن التوحيد العلمي، وأخرى تأمرنا بالتوحيد العملي، ولوازم التوحيد من أمْر ونَهْي، والنواهي هي التي تُبْعِدُ الإنسان عن التوحيد، ونتائِج المُوَحِّدين في الجنَّة، ونتائج المُشْركين في النار، لذلك القرآن كلُّه توحيد، ولهذا يتَّضِح قَوْل الأنبياء عليهم صلوات الله تعالى أنَّهم جاؤوا بالمَقولة الثابِتَة التي جاء بها الأنبياء جميعاً قال تعالى: ﴿ فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴾ [سورة المؤمنون: 32] وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ [ سورة الأنبياء: 25 ] ثم يأتي على هذا بِمَثَل فقال: الحمد لله رب العالمين توْحيدٌ، الرحمن الرحيم توحيد، مالك يوم الدِّين إخبار، إياك نعبد، وإياك نسْتعين توحيد عملي، اهدنا الصِّراط المستقيم، توحيدٌ مُتَضَمِّنٌ سؤالَ الهدايةِ إلى طريق أهل التوحيد، الذين أنعمْت عليهم، هؤلاء الذين وَحَّدوا، وغير المغْضوب عليهم، ولا الضالين هؤلاء الذين فارقوا التوحيد، إذاً فنحن مع آياتٍ عن التوحيد العلمي، وأخرى تأمرنا بالتوحيد العملي، ولوازم التوحيد مِن أمْرٍ ونَهْيٍ. الحياة الطيِّبة التي يحْياها المؤمن هي شهادة الله له أنَّ هذا القرآن كلامه : الله جلّ جلاله يشْهد لِنَفْسِه أنَّهُ إلهٌ واحِد، والدليل قول الله عز وجل: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة آل عمران: 18] ذكرْتُ لكم مرَّةً أنَّ الله سبحانه وتعالى كيْفَ يشْهد لِهؤلاء الناس أنَّ هذا القرآن كلامه، الإنسان إذا شَهِد تَكَلَّم، وقال: أشْهد لك أنَّك فعلْتَ كذا وكذا، لكِنَّ خالق السماوات والأرض كيف يشْهد للناس أنَّ هذا كلامه ؟! ذَكَرْتُ وقْتها أنَّ الله سبحانه وتعالى يحيي المؤمن والمُسْتقيم على أمْرِهِ حياةً طَيِّبَة، وهذه الحياة الطَّيِّبَة التي يذوقها المؤمن هي مِصْداقٌ لِقوله تعالى : ﴿ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [سورة غافر: 40] فالحياة الطيِّبة التي يحْياها المؤمن هي شهادة الله له أنَّ هذا القرآن كلامه، لأنَّهُ وَعَد المؤمن بِهذه الحياة الطَّيِّبَة، وها هو ذا قد ذاقها! والحياة الضَّنْك والمعيشة الضَّنْك التي يعيشها المُعْرِض هي شهادة الله لِهذا الإنسان أنّ هذا القرآن حق، فهذه المعيشة الضَّنْك التي يذوقها المُعْرِض تُؤَكِّد أنَّ هذا القرآن كلام الله عز وجل، وقد أذاقه ما وعده به، قال تعالى : ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾ [سورة طه: 124] الله عز وجل دائِماً يشْهد للإنسان أنَّهُ إلهٌ واحد : يا أيها الأخوة الكرام، ينبغي أن تقِفوا قليلاً عندما يقول الله عز وجل : "شَهِدَ الله "، فالله تعالى لا تُدْركه الأبصار، فكيف يشْهد لنا أنَّهُ إلهٌ واحِد؟ هذا سؤال؛ قال بعض العارفين: عرفتُ الله من نقْض العزائِم، فالإنسان يُدَبِّر، ويُخَطِّط، ويُهَيِّئ الأسباب، ولأهون الأسباب تتحَطَّمُ كلّ خِططه وآماله، فالله عز وجل فضْلاً على أنّهُ ذَكَّرنا بالقرآن الكريم أنَّه كتابه، وفضْلاً على أنَّهُ قال: فاعلم أنَّه لا إله إلا الله، لو نَظَرْتَ إلى أفعال الله لوجدتَ أنَّها تشْهد كلَّها أنَّهُ إلهٌ واحد، فما من إنسان يعْتدّ بِنَفْسه، ويعْزو القوَّة لذاته إلا نَقَضَ الله عزيمته، والشواهد كثيرة جداً، فهذه المَرْكَبَة التي أطْلَقوها إلى الفضاء وسَمَّوْها المُتَحَدّي، بعد سبعين ثانِيَة فقط أصْبحَتْ كتْلة من اللَّهَب! وتلك الباخرة التي قالوا عنها: إنَّ القَدَر لا يسْتطيعُ أن يُغْرِقَها، في أوَّل رحْلَةٍ لها غَرِقَت، وهي من أعْظم البواخر التي صُنِعَتْ وقْتها، فالله عز وجل دائِماً يشْهد لنا أنَّهُ إلهٌ واحد، وأقرب مثلٍ نفْسك، كلَّما قلْتَ: الله تولاك بالرِّعاية، فإذا قلتَ: أنا تَخَلَّى عنك لأنّ الأمر بِيَدِه، أحياناً هذا الإنسان القويّ يتساهل بلا سَبب! وينتقِم بلا سبب، فالله هو الآمرُ، كما في حديثِ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّم: ((كَانَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ وَطَاعَتِكَ فَقِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ عَفَّانُ فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ إِنَّكَ تُكْثِرُ أَنْ تَقُولَ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ وَطَاعَتِكَ قَالَ وَمَا يُؤْمِنُنِي وَإِنَّمَا قُلُوبُ الْعِبَادِ بَيْنَ أُصْبُعَيِ الرَّحْمَنِ إِنَّهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُقَلِّبَ قَلْبَ عَبْدٍ قَلَّبَهُ )) [أحمد عن عائشة ] شهادة الله عز وجل تعني العِلْمَ والمعْرفة والتَّكلّم والإعلام والإلْزام : ثم دَعْكَ من التوحيد في القرآن الكريم، ولننتقل إلى أفعال الله سبحانه، فلو تأمَّلْتَ أفعال الله عز وجل لرأيْتَ أنَّها كلَّها تنْطق بالتوحيد، وهذا معنى قول الله تعالى : ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة آل عمران: 18] فالأسباب أحْياناً تتخَلَّف، وتقع الأشياء بلا أسباب، أو دون أسباب تقع الأشياء، فقد تجد نتيجة من دون سبب، وقد تجد سبباً ولا نتيجة له، ماذا يعني هذا؟! أنَّ الأمْر بِيَدِ الله، إلا أنَّنا نحن بِنَظْرةٍ قاصِرَة نجد أنَّ هذا الشيء سبب لِهذا الشيء، فالسَّبب والمُسَبِّب ترافقا، وكان أحدهما قبل الآخر فَسَمَّيْنا نحن اصْطِلاحاً: الأوَّل سبب، والثاني نتيجة، لكنَّ الأسباب وحْدها لا تسْتطيع أن تخلق النتائج، ولذلك قال علماء التوحيد: عندها لا بها! أي عند مشيئة الله لا بالقدرة التي أودِعَتْ في الأشْياء، فالنقْطة واضِحَة؛ كيف أنَّ الله تعالى يشْهد بأفعاله أنَّه لا إله إلا هو، والمؤلِّف يرى أنَّ شهادة الله عز وجل تعني العِلْمَ، والمعْرفة، وتعني التَّكلّم، والإعلام، وتعني الإلْزام، فإذا قرأتَ القرآن الكريم، وقرأتَ الآيات المُتَعَلِّقة بالتوحيد لَوَجَدْتَ بعضها أنَّ الله تعالى يشْهد، وبعضها أنّ الله تعالى يقول، وبعضها أنَّ الله يُخْبرنا، ويأمرنا. الإعلام نوعان؛ إعلام بالقول و إعلام بالفعل : والإعلام كما تعلمون هو إعْلامٌ بالقول، وإعلام بالفِعْل، أحياناً يتكلَّم بشيء يُقرّه دون أن يسأله أحد، فالإنسان يتكلَّم، ويٌقِرّ، ويعتقد، ويُعْلِم، ويأمر، فأنت قد تُعْلم دون إلزام، لكنَّك إن ألْزَمت فقد أمرْتَ، ما الفرق بين القاضي والمُفْتي؟ الفرق الدقيق أنّ القاضي يحْكم والمُفتي يحْكم إلا أنَّ القاضي أمْرُهُ مُلْزِم، وأما المُفتي فأَمْره غير مُلْزِم، وعليه فهناك عِلْمٌ، وهناك إقْرار، وهناك إعلام، وهناك أمْرٌ، قال تعالى: ﴿ وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ ﴾ [سورة الزخرف: 19] هذه مرْتبة التَّكَلّم، فالإنسان بعدما يُعْلم يتكلَّم إلا أنَّهُ لا يلزم، والإعلام كما قلت قبل قليل: إعْلام بالقَوْل، وإعْلامٌ بالفِعْل، لو فرضْنا أنَّكم رأيْتُم على هذه السبورة أنَّهُ ستكون في الدَّرْس التالي مذاكرة، وكتبتُ ذلك على السبورة، ثمّ في الدرْس الثاني ما تَكَلَّمْتُ ولا كلمة، ووزَّعْتُ الأوْراق، ولم أقل مُذاكرة! فهذا أمرٌ بالفِعْل، وربُّنا عز وجل يُعْلِمُنا في كتابه الكريم، وحينما يُهْلِكُ الأقوام التي كفرَت، والذين أرادوا إطْفاء نور الله عز وجل، فهذا هو الإعلام بالفِعْل. العلم و الإقرار و الإلزام : لدينا شيءٌ آخر، وهو أنَّ الأمْر ـ كما قلتُ قبل قليل ـ قد تأمر، ولا تُلْزِم، وقد تأمر وتُلْزِم، قال تعالى: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴾ [سورة الإسراء: 23] معنى قضى أيْ حَكَم، إلا أنَّه مع الحكم نَهْيُ عن عبادةِ غيره، وهذا أمْرٌ ضِمْني أن تعْبده وحْده، قال تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾ [سورة البينة: 5] وقال تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [سورة التوبة: 31] إذاً هناك عِلْمٌ، وهناك إقرار، وهناك إقرارٌ قوْلاً وفِعْلاً، وهناك إلزامٌ، وكُلُّ هذه المعاني ورَدَت فيها آيات كريمة تُؤَكِّدها . النقل و العقل : الشيخ الطحاوي ـ رحمه الله تعالى ـ يقول: لا ندْخل في ذلك مُتأوِّلين بِآرائِنا، ولا مُتَوَهِّمين بأهوائنا، فإنَّه ما سَلِمَ في دينه إلا من سلَّم لله عز وجل ولِرَسوله، فالإنسان أحْياناً يتأوَّل بِرَأيِه، وهو أخطر شيء في الدِّين، أنْ تجعل رأْيَكَ هو الدِّين، فإن كنت كذلك فلسْتَ من المؤمنين، ولكنك من أهْل الرأي، ومَن هم أهل الرأْي؟ هم الذين اعْتَقدوا رأياً، وبدؤوا يبْحثون عن المُؤيِّدات، فالنَّص الذي يُؤَيِّدُ قولهم يقْبَلونه، ولو كان ضعيفاً، والنَّص الذي ينقض رأيهم يرْفضونه ولو كان صحيحاً، فَدِينهم رأْيُهم، فالنَّص إمّا أن يكون هو الأصْل، وأنت تأخذ عقيدتك عندئذٍ من هذا النَّص الصحيح، وإمّا أن تسْتَخْدِم النَّص لتأييد رَأْيِك، عندَئذٍ تختار ما يوافق هواك، فأخْطر شيء كما يقول الفلاسفة الفلْسفةُ الانتِقائِيَّة! أنت لك رأي مُصِرّ عليه فتَبْحَثُ في الآراء عن رأي يُؤَيِّدُك وترْفض الذي لا يُؤَيِّدُك، فالنَّقْل هو الأصْل. قلتُ لكم سابِقاً: إنَّ هناك علاقة كبيرة جداً بين النّقْل والعَقْل، فالحقيقة أنَّ النَّقْل ما جاءَنا عن الله عز وجل وَحْياً مَتْلُوًّاً، وما جاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم غير مَتْلوّ، فالنَّقْل هو القرآن، وما صحَّ من سنَّة النبي عليه الصلاة والسلام، أما العقْل فهو مِقْياس أوْدعه الله فينا، والواقع خلْق الله عز وجل، والفِطْرة بُنْيَة نفْسِيَّة تكْتشف الخطأ بها، ومن البَديهي أن يتوافق النَّقْل مع العقْل، وأن تتوافق الفطرة مع الواقع، وأن يتوافق الجميع، ولكن نبْدأ بِعَلاقة العقْل والنَّقْل فالعَقْل في الأصل لِفهْم النَّقْل، وله دَوْران: دَوْرٌ قبل النَّقل، ودَوْر بعد النَّقْل، أما الذي قبل النَّقل فالتَّحقُّقُ مِن صِحَّة النقل، أنت بِعَقلك تُمَحِّص الأحاديث، وتختار الصحيح، وتقف مَوْقفاً مترَدِّداً من الضعيف، وتقبل الحَسَن في الأحكام الشَّرْعِيَّة، وتجعل المتواتر في العقائِد الفِكْرِيَّة، فأنت اسْتَخْدَمْتَ عقْلك، فهو للتأكد من صِحَّة النَّقْل، ولفَهْم النَّقْل، أما أنْ يُسْمَحَ للعقل أنْ يتحَكَّم بالنَّقْل، فَيَقْبل بعضه ويرفض بعضه الآخر، فأنت هنا جعلْت العقل هو الأصل، والنَّقل هو الفرع! وهذا مُخالفٌ لما عليه جُمْهور العلماء، لذلك لا يُحْتَكَمُ إلى العَقْل، بل يُحْتَكَمُ إلى النَّقْل، لأنّ العقل قاصِر، وقد يفْشل، وقد ذَكَرْتُ لكم أنّ الأمر الإلهي كلَّما ازْداد وُضوحاً وطَبَّقْتَهُ ضَعُفَتِ العبادة في هذا التَّصْديق، وكلَّما كان غامِضاً، وبادَرْتَ إلى تصْديقهِ، ازْدادَتْ عُبوديَّتك لله تعالى، فأنت حينما تُنَفِّذ أمْراً، وأنت أمام آمِرٍ وأمْرٍ، فإذا كان الآمر عظيماً جداً، وذا كمالٍ مُطْلق، عندها تُبادِرُ إلى تَطْبيقه، ولو لم تجد في الأمْر الحِكْمة التي تبْحث عنها، وهذا يُمَثِّلُه مَوْقف سيّدنا إبراهيم عليه السلام في ذبح ابنه؛ وهناك مواقف عِدَّة لا تُعَدُّ، ولا تُحْصى، كُلّها وَفْق العقْل، والمنطِق، والواقع، والفِطْرة، فأنت إذا صدَقْتَ تكْتسِبُ محامِد كثيرة، أما إذا قيل لك: اِذْبَح ابْنك، وابنك نَبِيّ يسْعى معك، قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴾ [ سورة الصافات: 102 ] فهذا الأمر لا يُمكن أن يُقبل بِالعقل، ولا بالواقع، ولا بالفِطْرة، إلا أنَّ سيِّدنا إبراهيم لما قَبِل الأمْر أعْلنَ بِفِعْله هذا أنّه على أعلى مُسْتوى في العُبودِيَّة. كُلّ شيء أراده الله تعالى وقع وكلّ شيء وقع أراده الله تعالى حُكْماً : الله تعالى أحْياناً يمْتَحِنُ الإنسان؛ يمْتَحِنُ عَقْلانِيَّتَهُ، وعُبودِيَّتَهُ، لو كان مُسْتقيماً اسْتِقامة تامَّة، وأتَتْهُ مُشْكلة بِحَسَب الآيات، والأحاديث، وعقلُك يرى أنه لا ينبغي أنْ تأتي، فأنت هنا تمتحن للعبودِيَّة، فهل أنت موقِن أنَّ هذا الفِعْل فِعْلُ الله؟! وهل هناك مَخْلوقٌ يسْتطيع أن يفعل شيئاً ما أراده الله تعالى؟! طبْعاً، لا يُمْكن أن يفعل مَخْلوقٌ شيئاً ما أراده الله تعالى، ومعلومٌ عندكم أنَّ كُلَّ شيء أراده الله تعالى وقع، وكلّ شيء وقع أراده الله تعالى حُكْماً، فأنت إذا رأيْتَ شيئاً وقع فالله تعالى أراده، لأنَّهُ وقع فقد أراده، وإذا أراده وقع حَتْماً، ألا تعلمون أنَّ مشيئة الله وقدرته مُتَعَلِّقة بالحِكْمة المُطْلقة؟! ألا تعلمون أنَّ حكمته المُطْلقة مُتَعَلِّقة بالخير المُطْلق؟ لذلك فالإنسان حينما يُوَحِّد يسْتريح، فما دام هذا الشيء وقع فالله تعالى أراده، ولذلك فالتوْحيدُ يُعطيك طُمأنينة ما بعدها طُمأنينة، والإيمان بالقدَر نِظامُ التَّوحيد، وهو يُذْهِبُ الهمّ والحَزَن، فحينما تُبادِر إلى تطبيق أمْر الله عز وجل قبل أن تعْرف حِكْمته فهذا ارْتِفاعٌ في مُسْتوى عُبودِيَّتِك، وحينما تُعَلِّق التطبيق على فهْم حِكْمة الأمر، فهذا ضَعْفٌ في عُبوديَّتِك، والأمثلة كثيرة على ذلك، بل إنَّ النبي عليه الصلاة والسلام حينما وَقَّع صُلْح الحُدَيبِيَة، فيا ترى كيف وَقَّعَهُ؟ بأمْرٍ من الله تعالى، فالظاهِر من هذا الصلح شُروط مُهينة، وسيِّدنا عمر احْتار في أمْره، وغَلَتْ في نَفْسِهِ الحَمِيَّة والغيرة على الدِّين، وسيِّدنا الصِدِّيق كان أعلمَ منه، فقال له: اِلْزم غِرْزه، فإنَّهُ عبْد الله تعالى ورسوله، لذلك أيها الأخوة قد يأتي الشيء على غير المُراد، وهو معنى قوْل النبي الكريم لما دخل إلى بيْت أبي السائِب وقالتْ امْرأةٌ : هنيئا لك أبا السائب، فقد أكرمك الله ! فقال: وما أدراكِ أنّ الله تعالى أكْرَمَهُ؟ قولي: أرْجو الله تعالى أن يُكْرِمَهُ، وأنا نبيٌّ مرْسَل، لا أدْري ما يُفْعَل بي ولا بكم، هذا من عُبودِيَّة النبي عليه الصلاة والسلام، فلو قال الإنسان: أنا مُسْتقيم، ولا يُمْكن أن يُصيبني شيء يسوؤني فهذا فيه سوءُ أدَبٍ مع الله عز وجل، فما دُمْتَ عَبْداً لله فأنت في قبْضة الله، وعليك أن تُطيعَهُ، أما أن تُلْزِمَهُ فهذا ليس من شأن العَبْد المُطيع لله عز وجل . معنى اسم المؤمن : أردتُ بهذا الدرْس أن نكْتشف أنَّ الله سبحانه وتعالى من أسْمائِه المؤمن، هل الله تعالى مؤمن؟ الإنسان مؤمن، أما الله تعالى من أسْمائِه المؤمن، قال بعض العلماء: إنَّ معنى هذا الاسم يعني أنَّ الله تعالى إذا أرْسَلَ أنبياءه ورسله يسوق الحوادِث التي تَحْمِلُ الناس على الإيمان به، فهو يُؤَكِّد بأفعاله أقوالَه، فأفعاله حينما تؤكِّد فحْوى دَعْوة رسله فكأنَّهُ بهذا التوضيح حمل الناس على الإيمان بِدَعْوتِه، هذا من معاني مؤمن، لأنَّك أحياناً تجد من يُنفق من ماله، واللهُ تعالى يُضاعفه له أضْعافاً كثيرة، وتقرأ في القرآن الكريم: ﴿ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾ [سورة سبأ: 39] لكنّك حينما ترى زَيْداً أو عُبيداً يُبارك لهم الله في الحلال تشْعر بالتطبيق العملي، قال تعالى في القرآن: ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾ [سورة البقرة: 276] وترى ذلك المحق فيمن أرْبى، فالله تعالى من أسمائِه المؤمن وهو تعالى حَمَلَك بِما رأيته للإيمان به تعالى، هذا معنى اسم المؤمن. الإنسان لا يشعر بِحَلاوة الإيمان إلا بِتَوْحيد الألوِهيّة : مِحْور الدرْس اليوم أنَّ الله سبحانه وتعالى فضْلاً عن شهادته بالقرآن أنَّهُ لا إله إلا الله، يشْهد لك بأفعاله أنَّهُ لا إله إلا الله، فأفْعالهُ تدلّ على وَحْدانِيَّتِه، فلو قال الطبيب للمريض: لا فرار مِن مرضك، فهو حَسَمَ المسألة، ثمَّ شفاه الله تعالى، فَلِسَبب أو لآخر نمَّى الله عنصر الشّفاء حتى نهض من مرضه . من هم المُوَحِّدون، أو الذين يتبوؤن قِمَم التوحيد؟ هم الأنبياء، ومَن هم أشدّ منهم توْحيداً؟ الرسل، ومن أشدّ مِن هؤلاء توحيداً؟ أولو العزْم من الرسل، ومن أشدّ من هؤلاء توحيداً؟ النبي وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام، والدليل قوله تعالى : ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾ [سورة الأنعام] فالعلماء يقولون الخليلان: خليل الله سيّدنا إبراهيم، والخليل الثاني هو محمّد بن عبد الله، هما في قِمم التوحيد، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام: (( لا يرجون عبد إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه )) [ مسند الفردوس عن علي بن أبي طالب ] إنّ توحيد الألوهِيَّة ضعيف عند بعض الناس، وإنّ توحيد الربوبِيَّة قاسِم مُشْترك، لذلك يؤمن الإنسان أنَّ لهذا الكون خالِقاً، لكنه معذّب في حياته، فهو يرْجو فلانًا، ويخاف عِلانًا، ويحْسب حساباً لِفلان، إلا أنَّك لا تشْعر أيها الأخ الكريم بِحَلاوة الإيمان إلا بِتَوْحيد الألوِهيّة، ولا تشْعر بالطمأنينة إلا حينما ترى أنَّ لِهذا الكون إلهاً واحِداً، وهو الذي يفْعل ما يشاء، فمشاعر المُوحِّد لا توصف، أوَّلاً: شُعور بالأمن، أمّا الخوف والقلق والحرمان فكلّ هذا أنت مُعافى منه، والاتِّجاه مَرَّة لِزَيْد، وأخرى لِعُبَيْد مُعافى منه، أمْرك كلّه بِيَدِ الله عز وجل . شارَفْنا على الانتِهاء من توحيد الألوهِيَّة، وسننتقل في الدرْس القادم إن شاء الله إلى موضوع : "ولا شيء مثله"، وإن شاء الله تعالى سنورِد الأدِلَّة والتفاصيل على هذه المَقولة . والحمد لله رب العالمين